فدلت هذه الآياتُ وما ثبتَ في سببِ نُزولها على أن تقدير المصلحة إنما مرده لما يشرعه الله ويرتضيه لخلقه، خلافًا لما قد تستحسنه العقول وإن كانت هذه العقول هي عقول كبارِ رجالات هذا الدين علمًا وعملًا، فكيف بمن دونهم ممن لا نسبة بينه وبينهم علمًا أو عملًا.
ولا بدّ هنا من الإشارَةِ إلى مسلكٍ يتخذ منه الكثيرون تكئة لتبرير وتمرير ما يهوون، وهو مسلكُ الاستدلال بالقواعد العامة؛ والجوابُ عليه: أن الذي قرره أهلُ العلم أن إعمال القواعدِ العامة مقيدٌ بالإجماع بعدم مخالفة النصوص، فالاجتهاد وفقًا لتلك القواعد اجتهادٌ باطل بيقين متى خالف ما دل عليه النص، بل هو على التحقيق اجتهاد لم يصادف محلًا فلا محل له، ولذا قرر أهل العلم في قواعدهم المتفق عليها أنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
ومن صُوَرِ الخلط في قاعدةِ الموازنة والترجيح بين المصلحة والمفسدة وفقًا لمعيارِ الشّرع؛ أنّ الكثيرين ربما لاموا غيرهم على فعل الأحسن والأكمل، وحمدوه على فعل الأقل؛ لضعف نظرهم أو لإيثارهم ما يظنونه السلامة والورع لضعف فقههم، وإلا فالورعُ ليس في ترك المشتَبِهِ بالمحرم أو المكروه فقط؛ بل من الورع فعلُ المشتَبِه بالمستحب أو بالواجب أيضًا، ومن ذلك ما فعله غلامُ أصحابِ الأخدود حيثُ بذل الغلام نفسَه مؤثرًا القتلَ على الحياة؛ لإظهار الدينِ ونشرِ الدعوة فكان اختياره رضي الله عنه للقتل وحرصه عليه هو عينُ مصلحَةِ الدعوة.