فكأنّ الذي أنزل هذه الشريعة لا يعلم أحوال الناس وما يصلح لهم وما لا يصلح، وأن العبد الظلومَ الجهول قد أدرك المصلحة التي فاتت المولى -سبحانه وتعالى- الذي يعلم السر وأخفى -تعالى الله عما يفتريه الظالمون أهل الجهل والهوى والارتياب- ولذا كان التماس المصلحة بمخالفة الكتاب والسنة مجاوزة من العبد لقدره، وتطاولا لما لا يصلح له مع كونه تعديًا على مقام الألوهية، ومنازعةً سمجةً للرب الجليل -سبحانه وتعالى- إذ الله هو الذي خلق الخلق وهو الأعلم بمصالحهم وما يصلحهم في كل زمان ومكان؛ فهو سبحانه العليم بهم وبما يصلح لهم.
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] ، وكم من أمر تظنه العقول المصلحة وهو عينُ المفسدة، وكم من أمر تظنه العقول المفسدة ويكون هو عين المصلحة، والنسبةُ بين علم الله سبحانه وتعالى بالمصلحة وعلم العبد بها هي النسبة بين الخالق والمخلوق، والعبدُ عبدٌ مربوب ليس له من الأمر شيء، وواجبُه هو الخضوعُ والطاعة والامتثال، لا الاعتراض والمعارضة مع تيقنه بأن ما شرعَهُ اللهُ له هو عين المصلحة، فقد قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53] ، وقال سبحانه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص:50] .
قال ابن حزم رحمه الله: (في هذه الآي إبطالُ أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نصٍّ أو إجماع، ولا يكونُ أحدٌ أحرص على العباد المؤمنين من الله خالقِهم ورازقِهم وباعثِ الرسل إليهم، والاحتياط كله إتباع ما أمر الله به، والشناعة كلها مخالفته) اهـ.
وقال تعالى: {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} [البقرة:140] ، وقال كذلك: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] فهيهات للمصلحَة أن تكون في خلاف النص، بل خلافُ النص هو عينُ المفسدة، وإنما المصلحة ما قرره النص من فعلٍ أو ترك.