من هذا الطريق، كما بين تعالى أن حفظَ دينِ هؤلاءِ النفر المستضعفين هو المصلحة الحقيقية التي يجب الاهتمامُ بها، والتعويلُ عليها.
وهذا مقررٌ إجمالا من وجهين:
الوجهُ الأول: أنّ اللهَ لم يشرع هذا الدينَ إلا للعمل به، وابتلاء العباد بالتكاليف، والمكلفُ عبدٌ مربوب، فكانت مصلحة الاستجابة للتكاليف، والتمسكُ بالشرع؛ هي أسُّ و رأس المصالح التي يريدها الله -سبحانه وتعالى- من المكلفين، وهي كذلك أس و رأسُ المصالح التي يحققها العبد، والنصوصُ المقررةُ لهذا الأصلِ كثيرةٌ جدًّا إذ هو أصلُ الإسلام ومبناه وغايةُ التعبد ومنتهاه.
وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36] .
قال ابن كثير رحمه الله: (فهذهِ الآية عامّةٌ في جميعِ الأمور، وذلكَ أنه إذا حكمَ اللهُ ورسولُه بشيءٍ فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا، ولا رأي ولا قول كما قال تبارك وتعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] ، ولهذا شدَّدَ في خلافِ ذلك فقال {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36] ، وقوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] ) اهـ.