حدثت هذه القصة فعلًا عندما كان موقع (( مأسدة الأنصار ) )في جبل (( ثمر خيل ) )على مساحة عشرة كيلو مترات من جلال آباد. وكانت المعارك الطاحنة تدور حولنا .. وكان أسامة بن لادن .. قد بني خندقًا بين جبلين مرتفعين و ذلك لتفادي الصواريخ والقنابل الطائشة بين مواقع المجاهدين الأفغان وقوات الحكومة .. في هذا اليوم حضر من بيشاور الطبيب المسئول عن (( المأسدة ) )وهو طبيب مصري معروف بكفاءته وتقواه .. حضر ليتابع أخبار القتال .. والشئون الطبية .. وأيضًا يتابع حالة أسامة بن لادن الصحية .. فقد كان أبو عبد الله يعاني انخفاضًا حادًا في الضغط .. أحيانًا يجعله لا يستطيع الحركة ويظل راقدًا على الأرض لساعات طويلة .. وكان أيضًا يحتاج في بعض الحالات إلى تغذية بالمحاليل الطبية .. ومنها الجلوكوز ..
حضر الطبيب إلى خندق أسامة بن لادن .. وأعطاه حقنة للعلاج وكان أبو عبد الله في اشد حالات الأعياء والإرهاق .. وممدًا على الأرض بعد مجهود عنيف في متابعة إنشاء مواقع جديدة للإخوة العرب .. وشراء الأسلحة ووضع خطط للترصد والهجوم. أحضر الطبيب زجاجة جلوكوز من صندوق كان خارج الخندق .. وقام بتركيب عامود معدني عبارة عن حامل للزجاجة .. وثبت الخراطيم الموصلة وركب الحقنة في نهايتها وكان أبو عبد الله قد كشف على ذراعه .. ليغرس الطبيب فيها إبرة الحقنة .. في هذه اللحظة وقبل غرس الحقنة سمعنا صوت طائرة تطير على ارتفاع منخفض جدًا .. وفجأه سمعنا انفجارات هائلة حولنا ..
كانت لحظة عصيبة .. خرجنا من الخندق لنرى من أصيب .. ولكن الحمد لله .. سقطت القنابل على قمم التباب و الصخور المحيطة بنا .. ولكن كان هناك دخان وغبار كثيف حولنا ..
دخلنا الخندق .. كان أبو عبد الله .. قد جلس مكانه .. وسقطت بعض الصخور على الخندق .. وسقط العامود الذي يحمل زجاجة الجلوكوز .. مرت دقائق .. ونحن صامتين .. ظلت الطائرات تقترب حينًا .. ثم نسمع انفجارات بعيدًا عنا .. ثم تبتعد مرة أخرى.
وبعد فترة من الوقت شعرنا أن الموقف أصبح هادئًا نوعًا ما (بالنسبة لحالات الحرب. . فالتراشقات مستمرة طبعًا) .. في هذه اللحظة. قام الطبيب من مكانه .. وأقام العامود الحامل لزجاجة الجلوكوز وقام بوضع الزجاجة مكانها في الحامل وبدأ في مد الخراطيم التي (( تلعبكت ) )مرة أخرى.
وأعد حقنة جديدة لأن الأولى قد تلوثت بعد سقوطها على الارض .. وقال بصوت عال: (( بسم الله الرحمن الرحيم ) ).. مد أبو عبد الله يده. وشمر عن ذراعه، وفي اللحظة التي هم الطبيب بغرس سن الحقنة في ذراع أبو عبد الله سمعنا هذه المرة صوتًا هائلًا جعلنا نرقد على وجوهنا ونحن بداخل الخندق .. ونسمع سلسة من الانفجارات تمزق الصخور حولنا .. سقطت بعض الصخور .. والعوارض الخشبية التي تحيط بالخندق .. وامتلأ الخندق بالغبار ورائحة الانفجارات النفاذة .. رفعنا رءوسنا وإذا بانفجارات أعنف وأشد تجعلنا ننكمش على الأرض .. كانت القنابل قد سقطت بالفعل على باب الخندق .. وشعرنا بأن الجبال حولنا قد انتزعت من مكانها .. ونحن لا نستطيع أن نرفع رءوسنا. ظللنا على هذا الوضع عدة دقائق .. إلى ان ابتعدت الطائرات .. وهدأت الانفجارات .. نهضنا ونظرنا حولنا .. ونحن لا نصدق أننا أحياء .. ظللنا صامتين عدة دقائق .. وخرج بعض الإخوة ليتعرفوا على الخسائر .. ورحنا نتصل بباقي المواقع لنعرف نتيجة هذا الهجوم
لم تكن هناك خسائر تذكر .. مرت عدة دقائق أخرى .. والطبيب جالس مكانه .. اتصل أبو عبد الله باللاسلكي ليطمئن على الإخوة .. هدأ كل شيء .. كانت الزجاجة ملقاة على الأرض .. والعامود قد قذفته الانفجارات في ركن الخندق .. والخرطوم قد طار إلى مكان آخر .. قام الطبيب بهدوء وهو يحاول الابتسام .. وقال: (( خير ) )أبشروا
كان أبو عبد الله راقدًا مكانه فلم يستطيع النهوض .. ابتسم في وجه الطبيب .. تحرك الطبيب وأحضر العامود .. ورفع الزجاجة من على الأرض .. وفي هذه اللحظة كنا جميعًا دون اتفاق مسبق ننظر إلى الزجاجة .. وكأن فيها شيئًا سحريًا. شيء غريب يرتبط بقدوم الطائرات لتقصفنا نحن بالذات، كلنا دون اتفاق قلنا في صوت واحد .. ألا توجد زجاجة أخرى غير هذه الزجاجة
ضحك الطبيب وقال: هناك زجاجات أخرى .. ولكن ما الداعي لتغييرها؟