فهرس الكتاب

الصفحة 2003 من 4997

«وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ،وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ،وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ،وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» ..

ويتم المدد الروحي بالمدد المادي وتسكن القلوب بوجود الماء،وتطمئن الأرواح بالطهارة وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال.

ذلك إلى ما أوحى اللّه به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلي في المعركة: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ،فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا،سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ،فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ،وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» ..

إنه الأمر الهائل. إنها معية اللّه سبحانه للملائكة في المعركة واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة.

هذا هو الأمر الذي لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث:كيف اشتركت الملائكة؟ ولا كم قتيلا قتلت؟ ولا كيف قتلت؟ ... إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة .. إن حركة العصبة المسلمة في الأرض بهذا الدين أمر هائل عظيم .. أمر يستحق معية اللّه لملائكته في المعركة،واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة! إننا نؤمن بوجود خلق من خلق اللّه اسمهم الملائكة ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم. فلا نملك من إدراك الكيفية التي اشتركوا بها في نصر المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآني .. وقد أوحى إليهم ربهم:أني معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا،ففعلوا - لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندري كيف فعلوا. وأمرهم أن يضربوا فوق أعناق المشركين وأن يضربوا منهم كل بنان. ففعلوا كذلك بكيفية لا نعلمها،فهذا فرع عن طبيعة إدراكنا نحن لطبيعة الملائكة،ونحن لا نعلم عنها إلا ما علمنا اللّه .. ولقد وعد اللّه سبحانه أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا. فكان ذلك،ووعده الحق،ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان. فاللّه هو الذي خلق،وهو أعلم بمن خلق،وهو يحول بين المرء وقلبه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ..

إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة .. ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة،عند ما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين،وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول .. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية اللّه سبحانه للملائكة في المعركة،واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة،لهي أنفع وأجدى ..

وفي نهاية هذا الاستعراض،وفي أعقاب المشهد الهائل الذي تتجلى فيه تلك الحقيقة الهائلة،يجيء التقرير الموضح لما وراء المعركة كلها. ووراء النصر فيها والهزيمة،من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور:لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ»..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت