الصفحة 5 من 33

عرض لك يريد مالك ونفسك فلك أن تدفع عن نفسك ومالك، وعن عبد الملك الميموني أن أبا عبد الله قال له في هذه المسألة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (من قتل دون ماله فهو شهيد) .

وقال الشافعي رحمه الله تعالى: وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدل على أن للمرء أن يمنع ماله وإذا منعه بالقتال دونه فهو إحلال للقتال والقتال سبب الإتلاف لمن يقاتل في النفس وما دونها، ولا يحتمل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله تعالى أعلم من قتل دون ماله فهو شهيد إلا أن يقاتل دونه، ولو ذهب رجل إلى أن يحمل هذا القول على أن يقتل ويؤخذ ماله كان اللفظ في الحديث من قتل وأخذ ماله أو قتل ليؤخذ ماله ولا يقال له قتل دون ماله ومن قتل بلا أن يقاتل فلا يشك أحد أنه شهيد. اهـ [1]

وفي بيان أن من قتل في قتال البغاة فهو شهيد قال الكاساني الحنفي رحمه الله: إذا قُتِلَ الرجل في المعركة أو غيرها وهو يقاتل أهل الحرب أو قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو أهله أو واحد من المسلمين أو أهل الذمة فهو شهيد، سواء قتل بسلاح أو غيره لاستجماع شرائط الشهادة في حقه فالتحق بشهداء أحد، وكذلك إذا صار مقتولا من جهة قطاع الطريق، دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (من قتل دون ماله فهو شهيد) وهذا قتل دون ماله فيكون شهيدا بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا إذا قتل في محاربة أهل البغي، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يغسل في أحد قوليه لأن على أحد قوليه يجب القصاص على الباغي فهذا قتيل أخلف بدلا وهو القصاص وهذا يمنع الشهادة عنده على ما مر.

ولنا ما روي عن عمار - رضي الله عنه - أنه لما استشهد بصفين تحت راية علي - رضي الله عنه - فقال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني ألتقي ومعاوية بالجادة، وكان قتيل أهل البغي على ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (تقتلك الفئة الباغية) [2] وروي أن زيد بن صوحان - رضي الله عنه - لما استشهد يوم الجمل فقال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة من قتلني [3] ، وعن

(1) الأم للشافعي ج 4/ 215 ـ 216.

(2) رواه بهذا اللفظ مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها، ورواه الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ (أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية) وقال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من حديث العلاء بن عبد الرحمن، ورواه أحمد عن عبد الله بن الحارث قال إني لأسير مع معاوية - رضي الله عنه - في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: فقال عبد الله بن عمرو بن العاص يا أبت ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعمار (ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية) قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا، فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة، أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به.

(3) روى خبر زيد بن صوحان وعمار رضي الله عنهما البيهقي في السنن الكبرى باب ما ورد في المقتول بسيف أهل البغي عن إسماعيل بن أبي خالد قال سمعت قيس بن أبي حازم يقول: قال عمار - رضي الله عنه: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم، وعن العيزار بن حريث قال زيد بن صوحان - رضي الله عنه: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا إلا الخفين وأرمسوني في الأرض رمسا، فإني رجل محاج، زاد أبو نعيم: أحاج يوم القيامة كذا قال عمار وزيد بن صوحان، وذكر ذلك عبد الرزاق في مصنفه عن عمار وزيد بن صوحان وحجر بن عدي عن ابن سيرين قال: أمر معاوية بقتل حجر بن عدي سنان فقال حجر: لا تحلوا عني قيدا، أو قال: حديدا وكفنوني بثيابي ودمي، وقال ابن حجر في الإصابة وروى البخاري ويعقوب بن سفيان في تاريخهما من طريق العيزار بن حريث عن زيد بن صوحان قال: لا تغسلوا دماءنا فإني رجل محاج، وعن بن سيرين قال: أخبرت أن عائشة رضي الله عنها أخبرت بقتل زيد بن صوحان فقالت له خيرا، وروى البيهقي من طريق خالد بن الواشمة قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: ما فعل طلحة والزبير؟ قلت: قتلا، قالت: إنا لله يرحمهما الله، ما فعل زيد بن صوحان؟ قلت: قتل، قالت يرحمه الله، وذكر هذا الأثر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن الناس قالوا له حينما قتل وكان به رمق: أبشر أبا عائشة، فقال: شدوا علي إزاري فإني مخاصم وأفضوا بخدي إلى الأرض وأسرعوا الانكفات عني)، وعن عمار الدهني قال: قال زيد: ادفنوني وابن أمي في قبر ولا تغسلوا عنا دما، فإنا قوم مخاصمون، قال شهاب بن عباد: وكان سيحان بن صوحان قتل يوم الجمل أيضا وهو الذي دفن مع أخيه زيد بن صوحان في قبر، وذكر هذا الأثر أيضا ابن كثير في البداية والنهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت