فالجواب: لو لم يحصل من النصر إلا قلب تاريخهم، وموازينهم، ودراساتهم الاستراتيجية، والعسكرية، ونظامهم الدولي، رأسًا على عقب لكفى به!.
فالغزوة شكلت منعطفًا تاريخيًا عظيمًا، أعاد تشكيل كثير من الأفكار والدراسات، فالمتخصصون في العلاقات والأنظمة الدولية يقسمون تكوّن النظام الدولي الحديث إلى مراحل هي إجمالًا:
مرحلة (1648 - 1914م) وهي مرحلة معاهدة (وستفاليا) وما تلاها، والتي أنهت الحروب والصراعات في أوربا، وكانت نواة تأسيس العلاقات الدولية الحديثة.
ومرحلة (1914 - 1945م) وهي مرحلة الصراعات و الحروب العظمى العالمية.
ومرحلة (1945 - 1990م) وهي مرحلة تكون هيئة الأمم، وسيطرة القطبين السوفيتي والأمريكي على العالم، والحرب الباردة بينهما، وسباق التسلح.
مرحلة ما بعد 1990م وهي مرحلة تبدأ مع سقوط الاتحاد السوفيتي وتهاوي الأنظمة الشيوعية تباعًا وانتهاء الحرب الباردة، وتفرد أمريكا بالسيطرة والنفوذ، وابتداء ما يسمى بالنظام العالمي الجديد.
وعند هذه المرحلة ظن بعض كبار مفكري أمريكا بأنها نهاية الصراعات والتقلبات السياسية الكبرى وانتصار الرأسمالية الغربية، وأنه - هاهنا - وقف التاريخ ليشيد بانتصارهم النهائي والأخير:
وألقت عصا التسيار واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
فألف فوكوياما كتابه (نهاية التاريخ) تصور فيه أن العالم قد وصل إلى نهاية التاريخ، إذ ليس بإمكان العقل البشري - كما يزعم - أن يأتي بنظام أفضل من النظام الرأسمالي لأن البديل - الشيوعي - الذي كان يؤمل منه تحقيق السعادة البشرية قد فشل بعد تطبيق دام اثنين وسبعين عامًا، وبذلك فإن النظام الرأسمالي قد أصبح قدر الإنسانية، الذي لا مفر منه، والذي ستعيش في ظله إلى الأبد.
وقال أحد مفكريها (كانت السياسة الخارجية الأمريكية في الخمسين سنة الماضية قد تكونت استجابة للتهديد الذي يطرحه خصوم هذه البلاد، ففي كل عام منذ(بيرل هاربر) كانت أمريكا مشتبكة إما في حرب أو في مواجهة، والآن - ولأول مرة - (بعد النظام العالمي الجديد) منذ نصف قرن، تحظى الولايات المتحدة بالفرصة لإعادة تركيب سياستها الخارجية متحررة من قيود الحرب الباردة وضغوطها).
ولأنها حظيت بهذه الفرصة - كما يقول - فقد زاد شرها، واستفحل خطرها، وطغى أمرها، فعاثت في الأرض فسادًا، تقتل من تشاء من المسلمين، وتأسر من تشاء، وتحاصر من تشاء، وتضرب من تشاء، وكأن المسلمين مجموعة حشرات لا قيمة لدمهم ولا لكرامتهم!.
فجاءهم تسعة عشر مجاهدًا، صغار السن، من جماعة محاربة في جميع دول العالم، قد شددت عليها الرقابة، فخيبوا ظنهم، وقلبوا أنظمتهم وسياساتهم، وغيّروا دراساتهم، وأظهروا عوار (رأسماليتهم) و (عولمتهم) و (ديمقراطياتهم) و (حقوق الإنسان عندهم) و (أسطورتهم: السي آي أيه) ، وجعلوا ما سماه مفكروهم (نهاية التاريخ) ، هو في حقيقته (بداية النهاية) لهم بحول الله وقوته!.