ولما كانت الرواية لم تثبت فلا مجال لقبولها علميا فلا جبريل عليه السلام أتى السامري، ولا هو قبض من آثاره، ولا لفرس جبريل قُدرةٌ على الإحياء لأن الإحياء من أمر الله تعالى الذي خص به سبحانه نفسه.
وإنما معنى الرسول في الآية هو موسى عليه السلام.
وعليه يكون معنى الآية: إن السامري بصر بما لم يبصروا به من العلم فقبض قبضة من علم موسى حتى صار موثوقا به لدى الناس، وقد رأوا عليه مظاهر العلماء ولبوسهم، فنبذَ السامريُ هذا العلم وألقاه ليشتري به زعامة الدنيا.
خطورة الهوى وحب الزعامة على الدعوات الدينية
في قصة السامري ما يكشف عن أثر الرغبة في الزعامة والحسد في إفساد الدعاة ومن ثم تشويه الدعوات.
فالسامري كان على علم ولكنه في الوقت نفسه سيطرت عليه أهوية النفس، فصنع لهم عجلا من ذهب، ووضع في داخله أنابيب فإذا مر الهواء من دبره خرج صوتا من فمه، أو أتى بعجل حقيقي بصر به ولم يره القوم فأخفاه عنده، ثم إنه من خلال فن الشعوذة الذي يمارسه الدجالون في أيامنا أظهره لهم بعد أن أخذ أموالهم ليوهمهم أنها استخدمت في صناعة العجل {فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} (طه: من الآية88) .
أي أن موسى ضل عن الإله [1]
ومن الإشارات اللطيفة في الآية: قوله تعالى"فقالوا"أي إن دعوة السامري كان لها أنصار. وإن استخدام (الفاء) التي تفيد التعقيب يدل على القوم كانوا على عجلة من تدبير مخططهم للمعصية فهم ينفذون ولا يفكرون للحظة بمراجعة النفس والعودة إلى الحق.
إن السامري الذي كان يعرف الحقيقة تماما كان من العاكفين الملازمين لعبادة العجل؛ لأنه بهذا يحقق لنفسه الزعامة السياسية لبني إسرائيل متوسلا بالزعامة الدينية باعتباره نبي الديانة الجديدة.
العجل الحقيقي الذي عبده السامري هو شهوة الزعامة وهوى النفس
هذا الهوى حذر الله تعالى منه نبيه موسى عند أول لقاء بقوله سبحانه: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} (طه:15 - 16)
(1) - قصص القرآن الكريم: فضل عباس:563.