الصفحة 87 من 151

هذه الأدلة، ثم قال: «وإذا ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عمومًا محفوظًا، وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئًا على خطئه ... وإذا عرف هذا فتكفير المعيَّن من هؤلاء الجهال وأمثالهم ـ بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار ـ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرساليّة التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدعة أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة. ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة» . انتهى كلامه بحروفه مختصرًا [1] .

وقال شيخنا محمد بن عثيمين عند كلامه على تكفير المعيّن: «ومن الموانع أيضًا أن يكون له شبهة تأويل في المكفِّر، بحيث يظن أنه على حق، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة، فيكون داخلًا في قوله تعالى: + ..." [الأحزاب:5] ، ولأن هذا غاية جهده، فيكون داخلًا في قوله تعالى: + ..." [البقرة: 286] » [2] .

ولأهل العلم تفصيل وأقوال يطول ذكرها في المسائل التي يكون التأويل فيها مانعًا من الحكم بكفر المعيَّن، والمسائل التي لا يكون التأويل فيها مانعًا من الحكم بكفره [3] .

(1) ينظر: مجموع الفتاوى 12/ 489، 490، 500، 501.

(2) ينظر: مجموع فتاويه ـ رحمه الله ـ (جمع فهد السليمان 2/ 136) .

(3) قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في الإرشاد ص209 بعد كلامه عن عذر التأويل الذي سبق نقله قريبًا، وبعد ذكره أن المبتدعة الواقعين في المكفِّر ثلاثة أقسام: قسم لا يُعذر، بل يُكفَّر لمعرفته بالحق وإصراره على المخالفة، وقسمٌ آثم لعدم بحثه عن الحق، وقسمٌ ربما كان مغفورًا له لجهله مع حرصه على معرفة الحق ولكن لم يتيسَّر له من يعلِّمه إياه، قال رحمه الله تعالى: «والمقصود أنه لابد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من اتصف بها، وثَم أخر من جنسها لم يكفِّروه بها، والفرق بين الأمرين أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوِّغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول لكثرة التأويلات الواقعة فيها» .

وقال الشيخ محمد بن عثيمين كما في المجموع الثمين 2/ 63: «النوع الثاني ـ أي من أنواع الجحود ـ: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها، وهذا نوعان: الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبًا، مثل أن يقول: ليس لله يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة أو القوة فهذا كافر؛ لأنه نفاهًا نفيًا مطلقًا فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: + ..."المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر؛ لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية، فهو منكر مكذب» ."

وتنظر أقوال أهل العلم في هذه المسالة في مراجع مانع الجهل السابقة، وينظر أيضًا: الشفا 2/ 500، 529، المغني 12/ 276، مجموع فتاوى ابن تيمية 20/ 263 - 268 و5/ 161، 162، إيثار الحق ص376، 377، 393، رسالة «منهج ابن تيمية في مسالة التكفير» 1/ 193 - 250، رسالة «ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة» : ضابط الإعذار بالشبهة ص357 - 363، رسالة «نواقض الإيمان القولية والعملية» : تكفير المتأول ص75 - 80، رسالة «نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابطه التكفير عند السلف» 2/ 20 - 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت