الوجه الأول:
أن يعينهم بأي إعانة محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذه الإعانة كفر مخرج من الملة [1] .
(1) ذكر الإمام ابن جرير في تفسير قوله تعالى: + ..." [آل عمران:28] أن معنى هذه الآية: النهي عن مناصرة الكفار موالاة لهم على دينهم ومظاهرة لهم على المسلمين، وأن هذا موجبٌ للردة."
وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بعد ذكره لقصة حاطب ونزول صدرسورة الممتحنة: + ..."الآيات في شأن حاطب، قال: «فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: (صدقكم، خلوا سبيله) ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذ كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قال: خلوا سبيله."
ولا يقال قوله ×: (ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم) هو المانع من تكفيره؛ لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه؛ فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: + ..." [المائدة: 5] ، وقوله: + ..." [الأنعام:88] والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع؛ فلا يظن هذا.
وأما قوله تعالى: + ..." [المائدة:51] ، وقوله: + ..." [المجادلة:22] ، وقوله: + ..." [المائدة: 57] فقد فسَّرته السنة وقيَّدته وخصَّته بالموالاة المطلقة العامة."
وأصل الموالاة هو: الحب، والنصرة، والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفي غيره؛ وإنما أشكل الأمر وخفيت المعاني والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولَّدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن.
ولهذا قال الحسن رحمه الله: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد: أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده، يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود؛ فقال له ابن العلاء: من العجمة أُتيتَ، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلفٌ إيعادي ومنجز موعدي
وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غيره: إن من سعادة الأعجمي والعربي إذا أسلما أن يُوفَّقا لصاحب سنة، وإن من شقاوتهما أن يمتحنا وييسرا لصاحب هوى وبدعة». انتهى كلام الشيخ عبداللطيف رحمه الله.
وينظر: مجموع الفتاوى 28/ 240، 530، 531، 534، 535، وينظر: ما سبق عند الكلام على كفر الإباء والاستكبار.