وقد استكشف النبى صلى الله عليه وسلم خبيئة حاطب، فعرف إنه لم يكذبه في اعتذاره، إنهم مقبلون على معركة كبيرة قد ينهزمون فيها، فتقوم العصبيات القديمة بحماية الأقارب الشاردين؛ ويبقى حاطب لا حمى له، فليتخذ تلك اليد عند قريش، حيطة للمستقبل. ذاك ما فكر فيه حاطب، وهو خطأ، فإن المشركين لم يذكروا في عداوة الإسلام رحما ولا أهلا، وما ينبغى ت ولو دارت علينا الدوائر ـ أن نبقى لهم ودا، وقد خاصمناهم في ذات الله، وأخذ علينا العهد إن نبذل في حربهم أنفسنا وأموالنا... ولو جاز اتخاذ يد عندهم فكيف يُتوسل لذلك بعمل يعد خيانة كبيرة فادحة، الإضرار بالإسلام وأهله؟ على أن حاطبا شفع له ماضيه الكريم، فجبرت عثرته، وأمر النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يُذكر الرجل بأفضل ما فيه، وبهذا التقدير السمح علمنا الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا. ص _032