مصرف هذا الكون كله.ومن ربوبيته هذه للكون يتعين أن يكون هو رب الناس المشرع لهم: «قالَ إِبْراهِيمُ:فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» ..
وهي حقيقة كونية مكرورة كذلك تطالع الأنظار والمدارك كل يوم ولا تتخلف مرة ولا تتأخر وهي شاهد يخاطب الفطرة - حتى ولو لم يعرف الإنسان شيئا عن تركيب هذا الكون،ولم يتعلم شيئا من حقائق الفلك ونظرياته - والرسالات تخاطب فطرة الكائن البشري في أية مرحلة من مراحل نموه العقلي والثقافي والاجتماعي،لتأخذ بيده من الموضع الذي هو فيه.ومن ثم كان هذا التحدي الذي يخاطب الفطرة كما يتحدث بلسان الواقع الذي لا يقبل الجدل: «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» ..
فالتحدي قائم،والأمر ظاهر،ولا سبيل إلى سوء الفهم،أو الجدال والمراء ..وكان التسليم أولى والإيمان أجدر.ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر،فيبهت ويبلس ويتحير.ولا يهديه اللّه إلى الحق لأنه لم يتلمس الهداية،ولم يرغب في الحق ولم يلتزم القصد والعدل: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..
ويمضي هذا الجدل الذي عرضه اللّه على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة.مثلا للضلال والعناد وتجربة يتزود بها أصحاب الدعوة الجدد في مواجهة المنكرين وفي ترويض النفوس على تعنت المنكرين! كذلك يمضي بتقرير تلك الحقائق التي تؤلف قاعدة التصور الإيماني الناصع: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ..
«فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ!» ..حقيقة في الأنفس وحقيقة في الآفاق.حقيقتان كونيتان هائلتان وهما - مع ذلك - مكرورتان معروضتان للبصائر والأبصار آناء الليل وأطراف النهار.
لا تحتاجان إلى علم غزير،ولا إلى تفكير طويل.فاللّه أرحم بعباده أن يكلهم في مسألة الإيمان به والاهتداء إليه،إلى العلم الذي قد يتأخر وقد يتعثر،وإلى التفكير الذي قد لا يتهيأ للبدائيين.إنما يكلهم في هذا الأمر الحيوي الذي لا تستغني عنه فطرتهم،ولا تستقيم بدونه حياتهم،ولا ينتظم مع فقدانه مجتمعهم ..ولا يعرف الناس بدونه من أين يتلقون شريعتهم وقيمهم وآدابهم ..يكلهم في هذا الأمر إلى مجرد التقاء الفطرة بالحقائق الكونية المعروضة