«قالَ إِبْراهِيمُ:رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ..والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كل لحظة،المعروضتان لحس الإنسان وعقله.وهما - في الوقت نفسه - السر الذي يحير،والذي يلجىء الإدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر غير بشري.وإلى أمر آخر غير أمر المخاليق.ولا بد من الالتجاء إلى الألوهية القادرة على الإنشاء والإفناء لحل هذا اللغز الذي يعجز عنه كل الأحياء.
إننا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى اللحظة الحاضرة.ولكننا ندرك مظاهرهما في الأحياء والأموات.ونحن ملزمون أن نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق ..قوة اللّه ..
ومن ثم عرّف إبراهيم - عليه السلام - ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد،ولا يمكن أن يزعمها أحد.وقال وهذا الملك يسأله عمن يدين له بالربوبية ويراه مصدر الحكم والتشريع غيره ..قال: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» فهو من ثم الذي يحكم ويشرع.
وما كان إبراهيم - عليه السلام - وهو رسول موهوب تلك الموهبة اللدنية التي أشرنا إليها في مطلع هذا الجزء - ليعني من الإحياء والإماتة إلا إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء.فذلك عمل الرب المتفرد الذي لا يشاركه فيه أحد من خلقه.ولكن الذي حاج إبراهيم في ربه رأى في كونه حاكما لقومه وقادرا على إنفاذ أمره فيهم بالحياة والموت مظهرا من مظاهر الربوبية،فقال لإبراهيم:أنا سيد هؤلاء القوم وأنا المتصرف في شأنهم،فأنا إذن الرب الذي يجب عليك أن تخضع له،وتسلم بحاكميته: « قالَ:أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» ! عند ذلك لم يرد إبراهيم - عليه السلام - أن يسترسل في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة.حقيقة منح الحياة وسلبها.هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئا ..وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الخفية،إلى سنة أخرى ظاهرة مرثية وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله: «رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ..إلى طريقة التحدي،وطلب تغيير سنة اللّه لمن ينكر ويتعنت ويجادل في اللّه ليريه أن الرب ليس حاكم قوم في ركن من الأرض،إنما هو