فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 221

قال تعالى: { فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) } [المعارج: 5 - 7]

والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة،وتكررت لكل رسول،ولكل مؤمن يتبع الرسول.وهي ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق،ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية،موصولة بالهدف البعيد،متطلعة كذلك إلى الأفق البعيد ..

والصبر الجميل هو الصبر المطمئن،الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد.صبر الواثق من العاقبة،الراضي بقدر اللّه،الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء،الموصول باللّه المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة.فهي دعوة اللّه،وهي دعوة إلى اللّه.ليس له هو منها شيء.وليس له وراءها من غاية.فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل اللّه،وكل ما يقع في شأنها هو من أمر اللّه.

فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقا مع هذه الحقيقة،ومع الشعور بها في أعماق الضمير.

واللّه صاحب الدعوة التي يقف لها المكذبون،وصاحب الوعد الذي يستعجلون به ويكذبون،يقدر الأحداث ويقدر مواقيتها كما يشاء وفق حكمته وتدبيره للكون كله.ولكن البشر لا يعرفون هذا التدبير وذلك التقدير فيستعجلون.وإذا طال عليهم الأمد يستريبون.وقد يساور القلق أصحاب الدعوة أنفسهم،وتجول في خاطرهم أمنية ورغبة في استعجال الوعد ووقوع الموعود ..عندئذ يجيء مثل هذا التثبيت وهذا التوجيه من اللّه الخبير: «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا» ..والخطاب هنا للرسول - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب.وتقريرا للحقيقة الأخرى:وهي أن تقدير اللّه للأمور غير تقدير البشر ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» .. [1]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 4594]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت