قال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } [هود: 116،117]
وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن اللّه في الأمم.فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير اللّه،في صورة من صوره،فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية،لا يأخذها اللّه بالعذاب والتدمير.فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون،ويفسد فيها المفسدون،فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد،أو يكون فيها من يستنكر،ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد،فإن سنة اللّه تحق عليها،إما بهلاك الاستئصال.وإما بهلاك الانحلال ..
والاختلال! فأصحاب الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده،وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره،هم صمام الأمان للأمم والشعوب ..وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية اللّه وحده،الواقفين للظلم والفساد بكل صوره ..إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب،إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب اللّه،واستحقاق النكال والضياع .. [1]
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ،قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ: الْمُدَاهِنُ فِي حُدُودِ اللهِ،وَالرَّاكِبُ حُدُودَ اللهِ،وَالآمِرُ بِهَا،وَالنَّاهِي عَنْهَا،كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا فِي سَفِينَةٍ مِنْ سُفُنِ الْبَحْرِ،فَأَصَابَ أَحَدُهُمْ مُؤَخَّرَ السَّفِينَةِ وَأَبْعَدَهَا مِنَ الْمِرْفَقِ،وَكَانُوا سُفَهَاءَ،وَكَانُوا إِذَا أَتَوْا عَلَى رِجَالِ الْقَوْمِ آذَوْهُمْ،فَقَالُوا: نَحْنُ أَقْرَبُ أَهْلِ السَّفِينَةِ مِنَ الْمِرْفَقِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنَ الْمَاءِ،فَتَعَالَوْا نَخْرِقْ دَفَّ السَّفِينَةِ ثُمَّ نَرُدَّهُ إِذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ،فَقَالَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنَ السُّفَهَاءِ: افْعَلْ. فَأَهْوَى إِلَى فَأْسٍ لِيَضْرِبَ بِهَا أَرْضَ السَّفِينَةِ،فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ رُشَيْدٌ فَقَالَ: مَا
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 2564]