قال تعالى: { وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } [فصلت: 5]
قالوا هذا إمعانا في العناد،وتيئيسا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليكف عن دعوتهم،لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته،على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين! قالوا:قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك.وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك.ومن بيننا وبينك حجاب،فلا اتصال بيننا وبينك.فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا.أو أنهم قالوا غير مبادلين:نحن لا نبالي قولك وفعلك،وإنذارك ووعيدك.فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا.لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل.وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين.
هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول - صلى الله عليه وسلم - ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو،لا يكف عن الدعوة،ولا ييأس من التيئيس،ولا يستبطئ وعد اللّه له ولا وعيده للمكذبين.كان يمضي مأمورا أن يعلن لهم أن تحقق وعيد اللّه ليس بيده فما هو إلا بشر يتلقى الوحي،فيبلغ به،ويدعو الناس إلى اللّه الواحد.وإلى الاستقامة على الطريق،وينذر المشركين كما أمر أن يفعل.والأمر بعد ذلك للّه لا يملك منه شيئا،فهو ليس إلا بشرا مأمورا: «قُلْ:إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ،يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ،وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» ..
يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال،والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف،واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار،دون استعجال الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين ..إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة،ومن عظمة في احتمال هذه المشقة،إلا من يكابد طرفا من هذا الموقف في واقع الحياة.ثم يمضي في الطريق! ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل.فطريق الدعوة هو طريق