فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 221

قال تعالى: { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: 259]

من هو «كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ» ؟ ما هذه القرية التي مر عليها وهي خاوية على عروشها؟ إن القرآن لم يفصح عنهما شيئا،ولو شاء اللّه لأفصح،ولو كانت حكمة النص لا تتحقق إلا بهذا الإفصاح ما أهمله في القرآن.فلنقف نحن - على طريقتنا في هذه الظلال - عند تلك الظلال.إن المشهد ليرتسم للحس قويا واضحا موحيا.مشهد الموت والبلى والخواء ..يرتسم بالوصف: «وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها» ..محطمة على قواعدها.ويرتسم من خلال مشاعر الرجل الذي مر على القرية.هذه المشاعر التي ينضح بها تعبيره: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» ..

إن القائل ليعرف أن اللّه هناك.ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه جعله يحار:كيف يحيي هذه اللّه بعد موتها؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء ..وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وإيحاءاته،فيرسم المشهد كأنما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر.

«أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» ..كيف تدب الحياة في هذا الموات؟

«فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ.ثُمَّ بَعَثَهُ» ..لم يقل له كيف.إنما أراه في عالم الواقع كيف! فالمشاعر والتأثرات تكون أحيانا من العنف والعمق بحيث لا تعالج بالبرهان العقلي،ولا حتى بالمنطق الوجداني ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان ..إنما يكون العلاج بالتجربة الشخصية الذاتية المباشرة،التي يمتلىء بها الحس،ويطمئن بها القلب،دون كلام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت