فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 221

كذلك وقع ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،قَالَ:كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ،فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ:اطْرُدْ هَؤُلاَءِ عَنْكَ،فَإِنَّهُمْ وَإِنَّهُمْ،وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ،وَبِلاَلٌ،وَرَجُلاَنِ نَسِيتُ أَحَدُهُمَا،قَالَ:فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ،وَحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام] إِلَى قَوْلِهِ: {الظَّالِمِينَ} [الأنعام] . [1]

وهكذا رد اللّه للدعوة قيمها المجردة،وموازينها الدقيقة.ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة.ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقيم الدعوة أهم من أولئك الكبراء،وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم - كما كان يتمنى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - واللّه أعلم بمصدر القوة الحقيقة،وهو الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيا ولا عرفا جاريا! ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقد زوجها من زيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - وكان قد تبناه قبل النبوة،فكان يقال له:زيد بن محمد.فأراد اللّه أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة فقال تعالى: «ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» وقال: «وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ» ..وكان زيد - رضي اللّه عنه - أحب الناس إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - فلم تستقم بينهما الحياة ..وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه.فأراد اللّه سبحانه إبطال هذه العادة،كما أبطل نسبة الولد إلى غير أبيه.فأخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيزوجه من زينب بعد أن يطلقها زيد - لتكون هذه السنة مبطلة لتلك العادة - ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخفى في نفسه ما أخبره به اللّه.وكان كلما

شكا إليه زيد تعذر الحياة مع زينب قال له: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» مراعيا في هذا كراهية القوم لزواجه منها حين يطلقها زيد.وظل يخفي ما قدر اللّه إظهاره حتى طلقها زيد ..فأنزل اللّه في هذا قرآنا،يكشف عما جال في خاطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقرر القواعد التي

(1) - صحيح مسلم- المكنز [16 /41] (6394 ) وصحيح ابن حبان [14 /535] (6573)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت