فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 221

بذلك يبطل اللّه كيد الشيطان،ويحكم اللّه آياته،فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب:

«وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..فأما الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف،والقاسية قلوبهم من الكفار المعاندين فيجدون في مثل هذه الأحوال مادة للجدل واللجاج والشقاق: «وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ» .وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان اللّه وحكمه الفاصل: «وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..

وفي حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة من هذا،تغنينا عن تأويل الكلام،الذي أشار إليه الإمام ابن جرير رحمه اللّه.

نجد من ذلك مثالا في قصة ابن أم مكتوم - رضي اللّه عنه - الأعمى الفقير الذي جاء إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول:يا رسول اللّه أقرئني وعلمني مما علمك اللّه.ويكرر هذا القول والرسول - صلى الله عليه وسلم - مشغول بأمر الوليد بن المغيرة يود لو يهديه إلى الإسلام ومعه صناديد قريش،وابن أم مكتوم لا يعلم أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مشغول بهذا الأمر.حتى كره،رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلحاحه فعبس وأعرض عنه ..فأنزل اللّه في هذا قرآنا يعاتب فيه الرسول عتابا شديدا: « عَبَسَ وَتَوَلَّى.أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى .وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى،أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ! أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى،فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى؟ وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى؟ وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى؟ كَلَّا! إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ...» [1] .

وبهذا رد اللّه للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة.وصحح تصرف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي دفعته إليه،رغبته في هداية صناديد قريش،طمعا في إسلام من وراءهم وهم كثيرون.فبين اللّه له:أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد.وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة،وأحكم اللّه آياته.واطمأنت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين.

ولقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم.ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويقول له: «هل لك من حاجة» واستخلفه على المدينة مرتين [2] .

(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8 /319] وتفسير ابن أبي حاتم [12 /365]

(2) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع [19 /213] وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد [2 /424] وأخرجه الديلمي في الفردوس برقم:6805 من حديث أنس مرفوعا ولا يصح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت