وبعدَ أن أَوْرَدَ ابن حزم أدلة المانعين، ومنها حديث عبد الرحمن بن شِبل بلفظ: تَعَلَّموا القرآن ولا تغلوا فيه، قال إنه لم يَصِحَّ شيء من هذه الأحاديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين عِلَلَها وخلص من ذلك إلى القول بالجواز استنادًا إلى حديث ابن عباس، والحديث المشهور في زواج الرجل بتعليم المرأة شيئًا من القرآن.
(5) وبحديث جابر عند أبي داود قال:"خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والعجمي فقال اقرؤوا فكُلٌّ حَسَن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القِدْح (السهم) يتعجلونه ولا يَتَأَجَّلُونَه"وبحديث سهل بن سعد عند أبي داود وفيه"أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: اقرؤوه قبل أن يقرأه قوم يقيمونه كما يقام السهم يتعجل أجره ولا يتأجله" (والجواب عنهما) أنهما إخبار مِن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يكون عليه الناس بعد زمانٍ من تلاوة القرآن بدون تفكير وتدبر فيه فِيهِ، فتراهم يسرعون في تلاوته إسراعًا فيخرج من أفواههم كما يَخْرج السهم من القَوْس. وكذلك في السؤال بالقرآن طلبًا للعاجلة وكلا الأمرين مذموم، فالقرآن كتاب هداية لابد من التبصر فيه والتأمل في معانيه، ولا يكون ذلك مع الإسراع والهَذْرَمَة به ولا يجوز أن يُستجدَى به ويُسأَلَ الناس بقراءته وهذا كما جاء النهي عنه في الأحاديث السابقة فاتفقت الروايات في معانيها على نحو ما أسلفنا ولا دلالة فيها على منع أخذ الأجرة على تعليمه وقراءته.