وقد ورد في كلٍّ من القراءة ما يحثُّ على فعله. وقد علمتَ أنه لا فرق ذلك بين القرب والبُعد؛ لأن الله ـ تعالى ـ هو المطلع على القارئ وإحسانه العمل وإخلاصه فيه، وعلى المُتصدق وإخلاصه في صدقته، وهو المُقدِّر لهذا وذاك، والقرب والبعد بين القارئ والمتصدق وبين الميت لا دخل له في وصول الثواب إليه، وهناك هدايَا كثيرة غير النقود يتصدَّق بها على الميت كالدعاء له وجمع الاتفاقات المَعاشية، التي ينتفع بها الفقراء من طعام وشراب ولِباس ووقْف أرضٍ أو دار أو إسكان مُستحقٍّ لذلك، إذا قصد إهداء ثوابه لروح الأموات كالنقود سواء والله أعلم. اهـ كلام الأستاذ الوالد عليه سحائب الرحمة والرضوان.
23-أثر النِّيَّة في الأعمال:
تقدم القول في الطاعات والقُربات التي يُرجَى وصول ثوابها إلى الأموات إذا فعلها الأحياء لأجلهم. وهناك أعمال ندَب إليها الشارع، وحثَّ عليها كصِلة الأرحام ورعاية الأيتام وعيادة المرضى وتشييع الجنازات وإصلاح ذات البيْن وعمارة المساجد ونحو ذلك، فإذا عملها المسلم طاعةً لله وامتثالًا وتقرُّبًا إلى الله ـ تعالى ـ بها كَتب له أجر ما عمِل وأثابه عليه، وهناك أعمال عادية تتكيَّف بالنِّيَّة كالإمساك من الفجر إلى الغروب إن كان مجرد حميَّةٍ وتطبُّب كان عملًا لا أجر فيه ولا يُسمَّى صومًا شرعًا، وإنْ كان بنِيَّة العبادة والطاعة كان صومًا مأجورًا، وكالجلوس في المسجد إنْ كان لراحة إن النوم كان عملًا غير مأجور، وإنْ كان نيَّة الاعتكاف طاعة لله كان له أجر عند الله تعالى.
وكذلك في التُّرُوك كترْك الخمر ونحوه إنْ كان لمجرد كراهة طعْمها أو فقدان ثمنها أو مَضرَّتها الجسيمة، كان تركًا مجرَّدًا لا ثواب له، وإن كان لحُرمتها وخوف عقاب الله على مُعاقرتها كان عملًا مأْجورًا.
وهكذا في كثير من الأعمال والتروك إذا عملها الإنسان بنِيَّةٍ صالحة مُخلصًا لله كُتب له ثوابُها.