مال ولا دم إلاّ ببينة، وقد يروى كثير من الأحاديث على الاختصار اعتمادًا على إفهام السامعين والمخاطبين به.
وقد احتج بعض من لا يرى اعتبار جهة المماثلة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهذا معارضة لا تصح لأن النهي عن المثلة إنما هو في ابتداء العقوبة بها فأما القصاص فلا يتعلق بالمثلة؛ ألا ترى أن من جدع أذنًا أو فقأ عينًا من كفؤ له اقتص منه ولم يكن ذلك مثلة وعارضوا أيضًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب أحد بعذاب الله، فقالوا إذا أحرق رجلًا بالنار فإنه لا يحرق بها قصاصًا ويقتل بالسيف.
وهذا مثل الأول وباب القصاص من هذا بمعزل، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأسامة اغد على أُبْنى صباحًا وحرق. وأجاز عامة الفقهاء أن يرمى الكفار بالنيران إذا خافوهم ولم يطيقوا دفعهم عن أنفسهم إلاّ بها فعلم أن طريق النهي عن استعمال النار خارج عن باب القصاص المباح وعن باب الجهاد المأمور به وإن من قتل رجلًا بالإحراق بالنار فإن للولي أن يقتل القاتل بالنار كذلك.
وقد تمثلوا أيضًا في هذا بأمور كمن قتل رجلًا بالسحر وكمن سقى رجلًا خمرًا أو والى عليه بهما حتى مات، وكمن ارتكب فاحشة من إنسان فكان فيها تلفه وليس يلزم شيء من هذا والأصل فيه الحديث.
ثم العقوبات على ضربين أحدهما مأذون فيه أن يستعمل فيمن استحقه على وجه من الوجوه، والآخر محظور من جميع الوجوه، وقد أمرنا بجهاد الكفار ومعاقبتهم على كفرهم ضربًا بالسلاح ورميًا بالحجارة وإضرامًا عليهم بالنيران ولم يبح لنا أن نقتلهم بسقي الخمر وركوب الفاحشة منهم فأما السحر فهو أمر يلطف ويدق والتوصل إلى علمه يصعب ومباشرته محظورة على الوجوه كلها فإذا تعذرت