والعصرانية - بهذا المعنى - تضم في إطارها كل التوجهات والتيارات التي ظهرت مناوئةً للدين في أي جانب من جوانب الحياة، منذ بداية نهضة أوروبا، والتي لا تزال تتجدد [1] .
وقيل: هي مذهب فكري، يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود، عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي، أو التجربة البشرية، وإخضاع كل شي في الوجود للعقل لإثباته ونفيه وتحديد خصائصه [2] .
وهذا التعريف الأخير تعريف للعصرانية التي ظهرت في أوربا بعد الثورة على الكنيسة في ذلك الحين.
وفي الجملة يمكن أن نقول: إن المدرسة العصرانية هي اتجاه يعمد إلى تطويع أحكام الدين ونصوصه إلى حاجات العصر، وعمدتهم في ذلك ما تؤديه إليه عقولهم مما يعتبرونه مصلحة يوجب تقديمها بحجة روح الإسلام، ومقاصد الدين، وضرورياته.
بدأت فتنة المنهج العقلي على يد أهل الكلام، خاصةً المعتزلة الذين عاصروا فترة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية في عهد المأمون وأخذوا عنها، فهذا واصل بن عطاء زعم أن الخبر لا يكون حجة إلا
(1) المرجع السابق.
(2) انظر: الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب المعاصرة ص2/ 796