وبعد فترة من الزمن عاد اليهود إلى الفسق والفجور ، والسرف والترف ، فسلط الله عليهم أهل باب ( من العراق ) بقيادة بختنصر، فسلبوا ونهبوا وقتلوا وخربوا بيت المقدس ، وأحرقوا التوراة ومزقوها، وأخذوا التابوت إلى بلادهم ، وهو صندوق فيه بقايا مما ترك آل موسى وآل هارون .
واستمر احتلال الباليين لفلسطين مئات السنين ، عاش خلالها اليهود في ذل وشقاء ، وتعاسة وبلاء واضطهاد واستبعاد ، لا يقل كثيرا عما لاقاه آباؤهم على أيدى الفراعنة في مصر !!.
وتعاقبت أجيال على هذا الاحتلال حتى نشأ جيل يرغب في الحرية ، ويحب القتال في سبيل الله ، وذهب هذا الملأ من بنى إسرائيل إلى نبيهم في ذلك الوقت ، وقالوا له:
{ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [البقرة:246] يعنى عين لنا قائدا نقاتل خلفه ، ونجاهد تحت رايته ، فقال لهم نبيهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} [البقرة:246] ، يعنى: أخشى أن يكتب عليهم القتال فلا تطيقوه ولا تصبروا عليه ، وذلك لما يعلمه عن قومه بنى إسرائيل من جبن وخوف ، وهلع وضعف ! فقالوا له: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} [البقرة:246] ، وقال لهم نبيهم: {إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 246] ، وبمجرد سماعهم لهذا الاسم اعترضوا اعتراضا شديدا على هذا الاختيار، مع أنهم طلبوا من نبيهم أن يختار لهم ، ثم رفضوا اختياره !! قائلين: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} [البقرة:247] !! وبصعوبة بالغة استطاع نبيهم أن يقنعهم بأن كثرة المال ليست مقياسًا لاختيار القيادة الراشدة كما تعتقدون، وذكر لهم ثلاثة أمور كانت وراء اختيار طالوت: