والفارق نفسه يمكن أن ننصبه هنا للتمييز بين الكذب وأنواع التعابير المجازية الأخرى، كالاستعارة، والمجاز المرسل، والمجاز العقلي. وبالرغم من استفاضة البلاغيين في التمييز بين أنواع المجاز والكذب، فإن الشبهة تظل قائمة، فجملة جاء في الأسد يمكن أن تصدر عن كاذب كما يمكن أن تصدر عن متجوز، فالغالب اعتماد المتجوز عن المبالغة، والحق أنها باب من أبواب الكذب، وهنا تتقاطع الظاهرتان. ومن ذلك - كما قرر سلفا - نَفْيُ ابن حزم ومن شايعه من علماء الظاهرية، وقوع المجاز في القرآن والسنة؛ وكان من أدلته إمكان نفيه، وفي هذه الحال، لا يصح إثباته في الآن نفسه تحرزا من التناقض، ثم إنه يستدل بقوله تعالى: { إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانْ } "وما أنزل الله بها من سلطان"تشخص طبيعة هذا التجرد، فهو منحرف، بل قل هو سلوك غير قويم ولا يمكن أن يكون إلا كذبا .