بعد بسط مضامين الفصول السالفة أمام القارئ، نرى أنه من الضروري صياغة جملة من النتائج، تمثل هدف الموضوع الذي اختير للدراسة، والذي يمثل التفكير اللساني عند ابن حزم فيه قطب الرحى في سياق النظرية المعرفية التي صاغها ابن حزم الظاهري كمشروع ثقافي بديل وأصيل في التراث الإسلامي في العصر الوسيط.
وقد خرجت من مجموع تجاربي مع القراءات المتنوعة للفكر الحزمي في حقوله المعرفية المتعددة من فقه وأصول ومنطق وكلام بملاحظات أحسبها مهمة، وإن لم تكن جديدة، إلا أنها مستخلصة من قراءة مؤسسة على النصوص الحزمية، التي ألفت في تناسقها وانسجامها منظومة فكرية لها منهجها وأدواتها في التحليل والبرهان، وأهم ما ميز هذه المنظومة قيامها على:
أ- سلطة النص التي تقف مواجهة للعقل المتحرر، خاصة في المسائل العقدية والتكليفية.
ب- رفض مبدأ القياس لقيامه على مقاربة الغائب بالشاهد، مما يوقع في وهم التشبيه، وقد انسحب هذا التصور على الفقه، كما طبق على النحو وعلم اللغة.
ج - فساد العلة ورفض بناء الحكم على السببية، إلا ما صرح به النص، أو جاء به دليل من عقل أو بديهة حسن، وعليه، كان موقف ابن حزم واضحا حين عد علل النحاة فاسدة من كل وجه، لعدم قيامها على أصل مسموع من كلام العرب الذين يعتد بلغتهم.
د - العناية بالمنطق الأرسطي، بإعادة قراءته وتثمين مقولاته وتسهيله لطالبيه، كي يكون أداة لفهم الشريعة ووسيلة لتأسيس منطق برهاني وبياني، يمثل اللغة العربية في استقلالية رؤيتها للكون والله والإنسان.
أما أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذه القراءة النقدية لفكر ابن حزم اللساني والبياني والنصي، فهي كالآتي:
1-اعتنى ابن حزم بالظاهرة اللسانية لكونها المجال الحقيقي لحركية الاجتهاد الأصولي والفقهي واستنباط الأحكام، غير أن هذه الغائية لم تمنعه من أن يخوض في مسائل لسانية مهمة، بعيدا عن الهدف الديني بوصفها موضوعات مستقلة ترتدّ إلى ما يمكن عدّه من صميم القضايا اللسانية الحديثة، كالبحث في مفهوم اللغة ووظيفتها التواصلية، وكذا العناية بوصف مستويات البنية اللسانية في نظامها الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي، مستمدّا أمثلته من اللغة العربية ومن اللغات التي يعرفها: اللاتينية والعبرية .