الصفحة 148 من 159

أما التعارض المتوهم الذي يظهر بين أجزاء النص الديني (القرآن والسنة) ، فقد نال نصيبًا من اهتمام العلماء أيضًا، وحاول بعضهم إبراز مواضعه وتبديد صورة الغموض الناجمة عن التناقض الموهوم في القراءة الأولى. والحقيقة أن النص ذاته ـ كما سلف الذكر ـ نفى عن نفسه صفة التناقض هذه، وقد أكد ابن حزم هذه النقطة الجوهرية بقوله: إنه كله متفق ـ كما قلنا ـ ضرورة ... هو القائم في بديهة العقل، الذي يقود إلى مفهوم اللغة التي خوطبنا بها في القرآن والحديث ... كل ذلك كلفظة واحدة وخبر واحد موصول بعضه ببعض، ومضاف بعضه إلى بعض، ومبني بعضه على بعض إما بعطف، وإما باستثناء" (1) . إنَّ هذه الرؤية، فيما نرى، نابعة من إدراك عميق لمفهوم السياق اللغوي الذي يحدد ترابط أجزاء النص، كوحدة لغوية دالة تستعين بالقرائن اللغوية، كالعطف، والاستثناء، والحالية، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومواصفات لغة العرب لتحديد الدلالة الكبرى .هذا من جهة، ومن جهة ثانية يمكن القول بأن معالجته لهذه المسألة المتعلقة بكمال النص المعجز، تنزلت ضمن منهجه الرافض للترجيح العقلي أو القياسي، بإسقاط بعضها وإعمال بعضهم الآخر، وهذا دليل على عدم تناقض أصوله النظرية في التطبيق وانفلاته لشراك الحيل التوفيقية التي وقع فيها غيره، للخروج من مأزق التناقض الظاهر أو غير الظاهر بين نصين لموقف واحد (2) "

(1) - ابن حزم، الإحكام، 01 / 35 .

(2) - أبو زهرة، ابن حزم، ص 357 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت