الفصل الأول
التصور اللساني عند ابن حزم وأصوله المعرفية
توطئة
توفر لدى الدارسين لقضايا اللغة العربية قديمًا الفهم الصحيح والمنهج الناضج الذي يجعلهم يقتربون في كثير من القضايا من المنهج اللساني الحديث، مع ما بين المنهجين من نقاط اختلاف يبعثها اختلاف السياق الحضاري الذي ظهرت فيه الآراء اللسانية العربية والغربية. إن ارتباط العرب في تفكيرهم النظري والتطبيقي بالقرآن كان كافيًا لتوجيه الدرس اللساني نحو العلمية التي تؤكدها اللسانيات الحديثة، ومن ثم التعامل مع اللغة كواقعة اجتماعية قابلة للدرس والمشاهدة من خلال فهم النصوص الدينية فهمًا سديدًا، واستنباط الأحكام منها وتطبيقها في الحياة اليومية .
لذا يمكن القول منذ البدء بأن البحث في اللغة كان مؤسسًا على منهج علمي واضح هدفه خدمة النص الديني وإثراء الحياة الاجتماعية بأحكامه، على طريق تفسيرها وكشف عموضها تمهيدًا للعمل بها. ثم إن هذا الهدف الديني كان المحرك الأول والمباشر للتفكير في اللغة من حيث هي نظام إعلامي غرضه إقامة التواصل. ولعلنا لا نكون مجانبين الصواب إذا قلنا إن هذه الجهود كلها في تاريخ اللغة العربية بحث باللغة، وفي اللغة وللغة، وبين أجزاء هذه العلاقة الثلاثية تختبئ المقولة الشهيرة دراسة اللغة لذاتها ولأجل ذاتها من حيث هي موضوع علمي قابل للتوصيف منهجيًا .
وبالرغم من قلة الملاحظات المتصلة ببنية اللغة عند ابن حزم، الذي كان منشغلًا بالجانب العملي كما ألمعنا إلى ذلك سلفًا، فإننا آثرنا أن نجمع هذا الشتات، لعلّه يكون معينًا لفهم تصوره للغة بوصفها بنية ووظيفة متعددة المستويات.
القضايا الصوتية