الصفحة 26 من 159

أما الطبيعة، فصفات أوجدها الله في مخلوقاته، لا تزول إلا بزوال تلك المخلوقات، فهي بمنزلة السنن الثابتة، لا تتزحزح عما ترتبط به إلا بإرادة إلهية أو معجزة خارقة، كحركة الماء والأرض في الأسفل والنار والهواء في العلو والارتفاع، ولا تتبدل حركة هذه المخلوقات إلا قسرًا .كما تتأسس النظرية الحزمية على تصور خاص للشريعة مبني على مرتكزات ثلاثة، هي: انتقاء علل الشريعة، وجهل الإنسان بها إلا ما صرح به النص والمصدر الإلهي للشرع، وهذا يؤدي بالضرورة إلى شموليتها وكمالها. وقد أفصح النص عن هذا الكمال، فلا شرع آخر إلا ما نزل على محمد (ص) .و ترتكز النظرية الحزمية على احترام ظاهر الألفاظ والوقوف عندها، وهذا يعني احترامًا للإرادة الإلهية التي اقتضت وضع هذا الاسم لذاك المسمى، على سبيل الثبات وعدم التحول إلا بإرادة أخرى. أما البحث عما يعرف بالباطن أو المعاني الأخر، فتعدّ لحدود الشرع، وإهدار لهذه القداسة التي تتمتع بها هذه اللغة التي نزل بها القرآن الجامع للشريعة، والناسخ لما قبلها من شرائع، مهما كانت مقاييسها، بل إن الزمن الحقيقي لا يبدأ إلا مع نزول هذا الكتاب بهذه اللغة التي خلقت خلقًا جديدًا. لهذا، يجب أن يفهم موقف ابن حزم من قراءة لغة النص الديني في ضوء النصوص الشعرية الجاهلية، وهو الرفض طبعًا في هذا السياق. وهذا يعني أن حديثه عن اللغة لا يقصد به العربية الجاهلية ؛ فالعربية الأصح هي التي نزل بها القرآن، فهو لا يصدر عن انشغال لساني كما هو الشأن عند فقهاء العربية، الذين يبحثون في صفاء اللغة، من خلال العودة بها إلى صورتها الأولى قبل ظهور الإسلام. ومرة أخرى، ترتبط الدلالات بألفاظها بعلاقة خارج إطار الزمان والمكان المعهودين، ومن ثم لا يمكن لما هو إنساني متحول أن يكون دليلًا عن ما هو إلهي ثابت، كما لا يمكن للمعجم أن يكون فيصلًا في أمور الشرع المنزلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت