ابن حزم و مدرسته في الغرب الاسلامي
توطئة:
يقع اهتمامنا في هذا المدخل في سياق استنطاق جميع العوامل التي أسهمت في تكوين مدرسة ابن حزم الظاهرية في الأندلس، لها أصولها، وأهدافها، ومنهجها، ووسائلها المبتكرة. وقد كانت حياة الرجل وليدة لحظة تاريخية حاسمة مرّت بها الحضارة الإسلامية في الأندلس ؛ إنها مرحلة انفراط عقد الحكم الأموي وبداية ظهور عصر الإمارات، وقد ظهر لنا من خلال تتبعنا لمسار حياته وطريقة تعلمه، والأحداث التي شارك فيها أن هذا لم يكن بعيدًا عما قدمه من تصورات تمثل مشروعه الثقافي البديل، بل يمكن القول إن حياته بخصوصياتها كانت عنصرًا أساسيًا في صياغة الأطروحة الحزمية، التي وجدت لها امتدادا على الصعيدين العلمي والسياسي. ولما لم يكن هدفنا الترجمة لحياته فإننا اقتصرنا على بعض الجوانب نعدها وسيلة عبور منهجي للوصول إلى غاية هذه الدراسة الهادفة إلى الكشف عن أصول التفكير الظاهري وتطبيقاته على المنظومة القانونية الإسلامية في مختلف مستوياتها، مع التركيز على المبدأ البياني واللغوي الذي يؤطر فهم النصوص وتفعيلها في الحياة العامة.
المولد والنشأة
ولد ابن حزم في قرطبة في السابع من تشرين الثاني سنة 994 م الموافق لآخر رمضان من سنة 384 هـ، بالجانب الشرقي من المدينة في ربض منية المغيرة المسماة حاليًا"سان لورترو"، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس آخر ليلة الأربعاء. وفي هذا المكان، تقوم اليوم كنيسة سان لورترو محل قصر"منية المغيرة"، الذي نشأ فيه أبو محمد وترعرع، وتمثاله الذي نحته الفنان"أماديو أولموس"نصب في ذات الطريق الذي كان يسلكها للوصول إلى المسجد الجامع للتعلم، ثم لإلقاء الدروس (1) .
(1) - حسين مؤنس، ابن حزم، الذكرى المئوية التاسعة لوفاته، مجلة العربي، عدد 57، سنة 1963، ص 21.