وإذا عدنا إلى ابن حزم، فإننا نجده غير ممانع في الأخذ بالمجاز الذي يمثل نقل الاسم من معناه الذي وضع له، إلى آخر بينه وبين الأول علاقة. ويعتبر ذلك من قبيل الألفاظ الظاهرة، التي لا تحتاج إلى تأويل، ويعتمد في إثبات ذلك على النص، أو النقل، مستثنيا الألفاظ الشرعية، التي ذهب بعضهم إلى كونها نقلت من دلالاتها الوضعية، إلى دلالات شرعية مجازية، مؤكدا على أن معانيها حقيقية، كالصلاة، والحج والصوم الخ (1) . وفي سياق تشريعه للظاهرة في النصوص القرآنية، يضرب مثالا بقوله تعالى: { الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } (آل عمران/173) ، إذ المراد بذلك بعض الناس، ذلك أن العقل يوجب بالضرورة عدم إمكان حشر الناس في ذلك الزمن، ليخبروا بأنهم قد جمعوا لهم (2) ، ومثاله أيضا قوله: { وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِن َالنِّسَاءِ } (النساء/22 ) . فإن كلمة أب تدل على الوالد مباشرة، وهنا نقلت إلى معنى أوسع لتشمل الأجداد، وينطبق هذا التحديد أيضا على قوله تعالى: { وَاسْأَلِ القَرْيَةَ التّيِ كُنَّا فِيهَا } (يوسف /82) (3) ، إذ المراد أهل القرية. ويجب التأكيد، في هذا المقام، على أن الأخذ بظاهر اللفظ لا يناقض القول بالمجاز ؛ ذلك أن الدلالة المجازية أيضا دلالة ظاهرية، خاصة إذا كانت مشهورة في لغة العرب أو كانت قرينتها واضحة، معلنة عن المجاز كاشفة له (4) . أما إخراج اللفظ عن معناه الذي وضع له بغير نص ظاهر أو إجماع، منقول إلى معنى آخر، فهو تحريف للكلام عن مواضعه من غير حجة مسموعة (5) . وفي ضوء هذه الرؤية، يحدد ابن حزم مفهوم الحقيقة الشرعية التي تمثل تسميات صحيحة مرتبة، وضعها الشارع لما تعبدنا
(1) - ابن حزم، الإحكام، 1/ 28
(2) -ابن حزم، الإحكام، 3 / 136.
(3) - البزدوي، كشف الأسرار، 02 / 61 .
(4) - أبو زهرة، ابن حزم، ص 323 .
(5) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 40 .