أما المجاز فمن جاز الموضع جوزا وجاز به وجاوزه جوازا سار فيه وخلفه، والمجتاز السالك والجواز كالسحاب، وفي الكلام يقال تكلم بالمجاز، والمجاز الطريق المقطوعة، ولعلهم تلقوا إلى الكلمة الجائزة، أي المتعدية مكانها الأصلي، أو الكلمة المجوز بها على معنى أنهم جازوا بها مكانها الأصلي، وربما عنوا بقولهم جعلت كذا مجازا إلى حاجتي أي طريقا لها، على أن معنى جاز المعنى سلكه، فإن المجاز طريق إلى تصور معناه (1) . ويعرفه ابن حزم بقوله: هو في اللغة ما سلك عليه من مكان إلى مكان، وهو الطريق الموصل إلى الأماكن، ثم استعمل فيما نقل عن موضعه في اللغة إلى معنى آخر، ولا يعلم ذلك إلا من دليل من اتفاق أو مشاهدة، وهو في الدين كل ما نقله الله ورسوله (ص) عن موضعه في اللغة إلى مسمى آخر، ومعنى ثان، ولا يقبل من أحد في شيء من النصوص إنه مجاز، إلا ببرهان يأتي به من نص آخر، أو إجماع متيقن، أو ضرورة حس " (2) .
صدرابن حزم وبعض الشافعية، وبعض المالكية، في موقفهم الرافض للظاهرة عن كونها مخلة بمبدأ الدلالة اللغوية، فإذا كانت المعجزة تقع موقع التصديق عند ادعاء النبوة، وإذا كان الفعل يدل مجردا على فاعله الموجود، فإن وقع الفعل محكما دل على علم فاعله. فهذه، في خاتمة المطاف، دلالات مباشرة لا يدخلها المجاز الذي لا يفارق الضلال، بل هو أخ للكذب في اعتقادهم، والقرآن منزه عن ذلك، ورأوا في العدول عن الحقيقة إليه نوعا من الفرار منها، وهذا محال على الله سبحانه وتعالى (3) .
(1) - الفيروزأبادي، القاموس المحيط، 02 / 170 .
(2) - ابن حزم، الإحكام، 01 / 48 .
(3) - نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، ص 124،.