إن القارئ لكتاب التقريب يجد ابن حزم يتجه في بحثه اتجاهًا بعيدًا نوعًا ما عن صميم القضايا المنطقية البحتة، إذ يتجه صوب أبنية اللغة بشكل خاص، فكانت استشهاداته اللغوية المختارة خادمة للسان العربي الذي يتنصل من المنطق الإغريقي، وإن كانت جهوده التوفيقية تحاول بناء منطلقات جديدة لمنطق عربي إسلامي، وهذا الهدف هو الذي جعله يسعى بشكل دؤوب إلى تطويع اللغة والقضايا العقدية للتنظيرات المنطقية، بمعنى أنه كان يبذل جهدًا مزدوجًا يتمثل في التأسيس للفلسفة الإسلامية من جهة، ودراسة المنطق اليوناني من جهة ثانية (1) ، بهدف تأسيس منطق بياني عربي برهاني.
والحق أن كتاب التقريب ذخيرة أندلسية تشمل المعرفة المنطقية، يمكن للباحث أن يسترشد بها لدراسة المصطلح المنطقي المتميز بالاستقلالية، ناهيك عن كونه يعبّر عن روح البحث العلمي المستنير في تلك البلاد، ويفتح المجال للمقارنات العلمية بين أساطين الفكر الإسلامي، بالإضافة إلى الهاجس التعليمي الذي دفع ابن حزم إلى وضع هذا الكتاب.
ـ ملامح فلسفة اللغة عند ابن حزم:
يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 ـ أهمية دراسة اللغة لفهم القرآن، وارتباط هذه الدراسة بالتمكين من علم المنطق (2) .
2 ـ إمكان الوصول إلى المعنى الصحيح باللجوء إلى الدلالة الظاهرة التي تمثل اللغة المعرفة في بساطتها، والعناية في مستوى معين بتحديد الألفاظ الدائرة بين أهل النظر والعامة، تجنب لسوء الفهم.
3 ـ البحث في أصل اللغة من ناحية اجتماعية وتاريخية ودينية ولغوية، وتبني الموقف الأكثر موضوعية في ميزان المعرفة الحديثة.
(1) - محمد جلوب فرحان، أصالة الأبحاث المنطقية عند ابن حزم، ص 120 ـ 121.
(2) - ابن حزم، التقريب، ص 155.