الصفحة 24 من 159

ومن هذا المنطلق، يعد ابن حزم القياس خروجًا عن النص، فهما يقفان موقفًا مستقلًا في الضفة المقابلة، وكأنهما متحرران من كل قيد إلا قيد العقل. وبهذا تشكل خلال اجتهاد مضن للعلماء القدماء من التابعين وأبنائهم تياران أغزرت جهودهما نهر الثقافة الإسلامية، يمكن تسميتهما بالتقابل بين الحرفيين والغائيين. فالحرفيون أهل النص الرافضون لتعليل الأحكام والاستناد للنظر، أما الغائيون فعليون قياسيون، وفي مقدمة الطائفة الأولى ابن حزم وأغلب علماء الحديث، وفي الثانية علماء الكلام المعنيون بالفقه القائلون بالرأي كأعلام مدرسة الرأي بالعراق . ولشد ما وقعت سهام الطرف الأول لتصيب الطرف الثاني في حملة شعواء لا مثيل لها، كما يصور ذلك الحجوي قائلًا"ومن المحدثين أهل الظاهر الجامدون على نصوص الشرع بالحرف غير ناظرين إلى مقاصدها وعللها، فإذا لم يجدوا نصًا قالوا: لا ندري وأحجموا على الفتوى، زاعمين أن مذهب الكوفيين فلسفة فارسية صيرت الفقه الذي هو شرع وتعبد عملًا وضعيًا من أوضاع البشر، وقالوا: إننا إذا نظرنا إلى المعنى أو العلل صرنا مشرعين بفكرنا لا ممثلين متعبدين ولزم انحلال الشريعة وعدم الوقوف عند حدها .. فاتباع النظر والقياس انخلاع عن قيد الشرع وكم لهم من عبارة قاسية ضد أهل الرأي حتى أنهم إذا عابوا أحدًا قالوا: إنه عراقي أو من أهل الرأي" (1) ."

-خلاصة:

(1) - محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، 1977، 01 / 361 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت