ويبهرك من الجارم عمق معانيه وصفاء ديباجته في فخامة وجزالة وفحولة - تقرؤه فكأنما تقرأ لمهيار، وعلي بن الجهم، والبحتري، وأضرابهم من أمراء الشعر، في العصور المزدهرة بالعلم والأدب. ولا غرو فقد آثر الجارم هؤلاء، وتوفر عليهم وأشرب في قلبه فنهم. فتأثر بأساليبهم في القول ومناحيهم في تصريف المعاني.""
وفي العام نفسه يقول الأستاذ أحمد أمين عضو المجمع وعميد كلية الآداب جامعة القاهرة سابقًا ما يلي:
"كان شاعرًا من الطراز الأول، مشرق الديباجة، رصين الأسلوب، جيد المعنى والمبنى. وكان شعره مرحًا ضاحكًا، حتى إذا أصيب بفقد ابنه ـ وكان طالبًا في الهندسة ـ تلوَّن شعره بلون حزين باكٍ؛ فكان يجيد كل الإجادة في الرثاء والحسرة على فوات الشباب."
وكان - رحمه الله - خفيف الروح، يملأ مجلسه بالنشوة والارتياح والضحك فيما يروي من حديث وما يحكي من نوادر، وما يعلق على أحداث؛ حتى إذا أصيب بكوارث الزمن وانتابه مرض القلب، لم تذهب بشاشته ولم تفارقه ابتسامته ولا ضحكته في الظاهر، ولكنه كان يخفي حزنًا عميقًا تدل عليه آهات أليمة يسمعها من يجلس بجانبه. وكان - رحمه الله - ذواقًا طروبًا، يتذوق المعنى الجميل، والفكرة البديعة، والنكتة الرائعة، فيطرب لها أشد الطرب ويشيع طربه في كل من يجالسه، وله حكم صائب على ما يقرأ وما يسمع، يُقوِّمهُ تقويمًا دقيقًا، وينقده نقدًا صحيحًا، ثم هو لا يتعصب لرأيه، فإذا سمع ما يخالفه أصغى إليه في أناة، وفكر فيه في سماحة، وإذا اقتنع بصوابه أعلن عدوله عنه في صراحة.