... فالمجتث والطويل اسمان لبحرين من البحور الخليلية، أولهما من البحور القصيرة حيث تتكون شطرته من تفعيلتين اثنتين"مستفعلن فاعلاتن"على حين تتكون شطرة الثاني من أربع تفيعلات"فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن"فضلًا عن أن المدلول اللغوي للمصطلحين يبرز هذا الفارق بين الوزنين فمفهوم الاجتثاث - بمعنى الانقطاع - يناقض مفهوم الطول - بمعنى الامتداد - وقد استغل الجارم كل هذه الدلالات في بناء صورته البارعة التي تسيل من لطفها وشفافيتها حتى لتظن قوافي الأوزان القصيرة المتقطعة طويلة ممتدة، والشاعر مرة أخرى يوظف الدلالتين اللغوية والاصطلاحية لكلا المصطلحين في تشكيل هذه الصورة الرائعة التي تنأى تمامَّا عمَّا يسود الشعر الذي يستخدم المصطلحات والمعارف العلمية عادة من جفاف وجمود.
... ومثل ذلك يمكن أن يقال عن توظيفه لمصطلح التشبيه وبعض مفاهيمه وأدواته في تصويره لتنزه الرسول عليه الصلاة والسلام عن الشبيه في قصيدة"محمد رسول الله"حيث أعياه العثور على شبيهٍ له صلى الله عليه وسلم:
كأنّ ... وما تُغنِي كَأَنَّ ؟ فَخَلِّها فإنَّ مِنَ التَّشْبِيهِ ما يَتَصَعَّبُ
... أما النقطة الثانية وهي شيوع المفردات العربية القحة غير الشائعة في ديوان الشعر العربي الحديث - فإننا نجد هذه المفردات شديدة الشيوع في شعر الجارم، ولعلها أبرز تجليات الجانب المحافظ في ديوانه، ونظرة على هذه النماذج المختارة اتفاقًا تعطينا تصورًا واضحًا عن مدى تفشي هذه الألفاظ في شعره:
... قوله عن النحاس في قصيدة"معاهدة 1936":
-نَضَاهُ اللهُ حِينَ نَضَاهُ عَضْبًا يَرُدُّ مَضَاؤهُ الجيشَ اللُّهَامَا
في الاعتزاز بلغته العربية وتمكنه منها:
-يَقْنِصُ الآبِدَاتِ عَزَّتْ عَلَى الصَّيْ دِ، فَمَاسَتْ بين الرُّبا والرِّعَانِ
وَأَصُوغُ الشِّعْرَ الذي يَفْرَعُ النَّجْـ مَ وَتُصْغِيِ لِجَرْسِهِ الشِّعْرَيَانِ في المفاخر بالمجد العربي التليد: