... ففيما يتصل بالنقطة الأولى فإننا وبعد أن نغض النظر عن المفاهيم والآراء التي كان يعبر عنها تعبيرًا رائعًا عرضنا لنماذج منه فيما سبق، وعن استخدامه لبعض هذه المعارف في مجال المداعبة والمفاكهة كما في قصيدة"دعابة"التي يحاور فيها نحويًّا وصرفيًّا وبلاغيًّا موردًا على لسان كل منهم مصطلحات علمه ومفاهيمه، وقصيدته في تكريم الدكتور علي توفيق شوشة التي يستخدم فيها بعض مصطلحات علم اللغة ومفاهيمه، أقول بعد أن نغض الطرف عن هذه وتلك نجد الشاعر يستغل بعض معارفه العلمية واللغوية والأدبية الموروثة في تشكيل بعض صوره الشعرية، ففي قصيدته في رثاء الشاعر جميل صدقي الزهاوي استغل مصطلح"الشعر الحر"ومفهومه في تشكيل صورة بارعة، وكان الزهاوي من أوائل من روجوا في تاريخ شعرنا العربي الحديث لما عرف باسم"الشعر المرسل"وهو الشعر المتحرر من وحدة الروي والذي يبنى فيه كل بيت في القصيدة على رويّ مخالف للروي الذي بنيت عليه بقية الأبيات، وقد دعا الزهاوي إلى هذا الشكل نظريًّا ومارسه تطبيقيًّا في بعض القصائد، منذ مطالع القرن الماضي، وكانت المصطلحات التي أطلقت على هذا الشكل مضطربة وإن كان أكثرها شيوعًا مصطلح"الشعر المرسل"ولكن البعض سماه"الشعر الحر"، وهو المصطلح الذي اعتمد عليه الجارم في تشكيل صورة شعرية بارعة في تصوير تمكُّن الزهاوي من أدواته الشعرية، مازجًا بين الدلالتين اللغوية والاصطلاحية لمصطلح"الشعر الحر"حيث يقول:
تَمَلَّكَ حُرَّ الشِّعْرِ سِنُّ يَرَاعِهِ فيا عجبًا أَنْ حَرَّرَ الشعرَ آسِرُهْ
فالزهاوي وإن كان قد حرَّر الشعر من عبء القافية الموحدة فهو الذي أسر الشعر وسيطر عليه وامتلكه.
... ومثل ذلك يقال أيضًا عن توظيفه لبعض مصطلحات العروض ومفاهيمه في تشكيل بعض الصور البارعة في قصيدته في رثاء إسماعيل صبري:
وَقَوافٍ سَالَتْ مِنَ اللّطْفِ حَتَّى لَحَسِبْنَا"المُجْتَثَّ"مِنْها"طَوِيلاَ"