الصفحة 74 من 94

... ونلاحظ في هذه الاستدعاءات أنها تتراوح ما بين الاستدعاء المباشر لنص من النصوص والاستدعاء الخفي لأحد النصوص أو لتراث شاعر برمته، ومن ثم فإن القيمة الفنية تتفاوت بتفاوت أساليب الاستدعاء خفاء ومباشرة ومدى تصرف الشاعر في النص المستدعى وعدم تصرفه.

... وأحيانًا يستدعي الجارم نصًّا تراثيًّا ارتبط بموقف تاريخي معين، وهو يهدف من هذا الاستدعاء إلى استحضار النص والموقف جميعًا لأن تجسيد أبعاد رؤيته المعاصرة يقتضي استحضار العنصرين معًا - النص والموقف - ومن النماذج البارعة لمثل هذا الاستدعاء، استدعاؤه لعبارة الخليفة هارون الرشيد عندما رأى سحابة ممطرة تمر فوقه دون أن تمطر فقال لها"أَمْطِري حَيْثُ شِئْتِ فَسَوْفَ يَأتيني خَرَاجُك"والرشيد يصور في هذه العبارة مدى اتساع مملكته، ولكن بأسلوب فني رائع، وهو المعنى ذاته الذي استدعى الجارم من أجله عبارة الرشيد والموقف الذي قالها فيه حيث يعتز بماضي أمته وترامي أطرافها، فيقول في قصيدته"المجمع اللغوي":

وأبو المأمونِ في مملكةٍ يَتَحَدَّى المُزْنَ أن تعدو قُراها

... ولا شك أن في اختيار الشاعر لهذا الأسلوب إضفاءَ قدرٍ من الرمزية الآسرة على الصورة، وفيها أيضًا استغلال لما في عبارة الرشيد من جمال فني، وإن كان استيعاب كل الإيحاءات التي تشعها هذه البنية التصويرية تحتاج لقدر من الإحاطة بالموروث الذي يسترفده الجارم، والحقيقة أن هذه المعرفة ضرورية لكل من أراد أن يتذوق الشعر الحقيقي الذي يضرب بجذوره في تربة تراث غني مثل تراثنا.

... وقد يستدعي الجارم موقفًا أو حدثًا تراثيًّا تاريخيًّا لم يرتبط بنص معين ويوظف مكونات هذا الحدث في تشكيل صورته الشعرية، كما فعل مثلًا في توظيف حادثة اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي في تهنئة الزعيم سعد زغلول بالنجاة من حادث اغتيال حيث يقول:

مَحَقَ اللهُ أبا لؤلؤة وحَمَى مِصْرَ فأبقى عُمَرَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت