... استدعاء للآية الكريمة (يومَ نقولُ لجهنَّمَ هلِ امتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) - سورة ق الآية 30 - والآية الكريمة (كُلَّما أُلْقِيَ فيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا ألَمْـ يَأْتِكُمْ نَذيرٌ) - سورة الملك، الآية 8 - وقوله في القصيدة السابقة ذاتها:
إنَّما الحربُ لعنةُ اللهِ في الأر ضِ وشرٌّ بمن عليها أريدَا
... إشارة إلى قوله تعالى في سورة"الجن" (وأَنَّا لا ندري أشرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ في الأرضِ أم أرادَ بِهِمْ رَبُّهُم رَشَدًا) - الآية 10- (1) .
... ونلاحظ على هذه الاستدعاءات القرآنية أن الجارم لم يضف عليها الكثير من ذاته احترامًا لقدسية النص القرآني، قصارى ما كان يصل إليه في هذا المجال من تصرف هو أن يشير إلى نص الآية أو مضمونها دون أن يقتبسها كاملة.
... ولكنه في استدعائه للنصوص غير القرآنية كان يعطي لنفسه حرية أكبر في التصرف في النص المستدعى؛ كما استدعائه لنونية شوقي:
يا نائحَ الطَّلحِ أشباهٌ عَوَادِينا نَأْسَى لِوادِيك أم تَأسَى لِوَادينا
ونونية ابن زيدون:
أضحَى التنائي بديلًا من تدانينا ونابَ عن طِيبِ لُقْيَانا تَجَافِينا
في قصيدته"السودان"حيث يقول:
واصدحْ بِنُونيَّةٍ لمَّا هَتَفْتُ بِها تَسَرَّق السَّمْعَ (شوقي) وَ (ابن زيدونا)
حيث لم يصرح بنص نونيتي شوقي وابن زيدون، بل لم يشر إلى أية منهما إشارة صريحة وإنما وظفهما توظيفًا خفيًّا في مجال الافتخار بنونيته فأضفى على الدلالة غلالة شفيفة من الغموض زادتها سحرًا، وجعلت من الصعب على غير الملم بموروثنا الأدبي أن يلتقط هذه الإشارة البارعة وأن يستوعب المدلول كاملًا.
(1) انظر أمثلة أخرى كثيرة للاستدعاءات القرآنية في شعر الجارم في مقال الأستاذ محمد سعيد أحمد (المعلمون الشعراء: علي الجارم) ص 315 . ومقال الدكتور أحمد علي الجارم (الجارم الشاعر؛ العملاق والروافد ص 149 من كتاب: الجارم في ضمير التاريخ) .