الصفحة 71 من 94

بقي جانب أخير من الجوانب الفنية في شعر الجارم وهو توظيفه للموروث واستغلاله لمعارفه اللغوية والأدبية الواسعة، وإذا كان استدعاء العناصر التراثية معروفًا في الشعر العربي، منذ أقدم عصوره، فإن ذلك الاستدعاء كان يتم غالبًا في إطار المعارضة أو الاستشهاد أو الاقتباس في أفضل الأحوال بالنسبة للنصوص، وفي إطار تدوين الأحداث التاريخية بالنسبة للشخصيات والأحداث، بحيث يظل العنصر التراثي عنصرًا خارجيًّا بالنسبة للبنية الفنية للقصيدة ويبدو كما لو كان غريبًا عنها، ومقحمًا عليها ويبدو دور الشاعر في استدعاء هذا العنصر دورًا سلبيًّا حيث لم يستطع أن يفجر ما فيه من طاقات إيحائية ويتركها تشعّ من خلال البناء الفني وتتفاعل مع مكوناته الأخرى. ولكن الجارم حاول أن يخطو بهذه العلاقة بين الشاعر والموروث خطوة أخرى في طريق التوظيف الفني الذي آلت إليه هذه العلاقة في القصيدة الحديثة، فيضفي في كثير من الأحيان على هذه العناصر من لمساته الفنية ومن ملامح رؤيته ما يجعل هذه العناصر الموروثة أكثر التحامًا بنسيج رؤية الشاعر وأقرب إلى التوظيف الفني للموروث بمفهومه الحديث، وإن كان بالطبع لم يتخلَّ كلية عن الاستدعاءات التقليدية للموروث في أطرها الشائعة؛ الاستشهاد أو الاقتباس أو المعارضة.

وقد شاع في شعره استدعاء آيات من القرآن الكريم في إطار الاقتباس، مثل قوله في رثاء الشاعر إسماعيل صبري:

هَبطَتْ حِكْمَةُ البيانِ عليهِ فاذكروا في الكتابِ إسماعيلا

... إشارة إلى الآية الكريمة (واذكُرْ فِي الكتابِ إسماعيلَ إنَّهُ كانَ صادقَ الوعدِ وكانَ رسولًا نبيَّا) - سورة مريم، الآية 54 - وقوله في قصيدة"يوم السلام"يصف بشاعة الحرب وتدميرها:

ذَكَّرَتْنَا جَهَنّمًا، كُلَّما ألـ ـقِيَ فَوْجٌ صاحَتْ تُريدُ المزيدَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت