الصفحة 70 من 94

ومعنى البيت أن العطور والألوان والأصوات تتجاوب، أي تتبادل ويحل بعضها محل بعض في أحداث الوقع النفسي الواحد، بحيث يستطيع الشاعر أن يصف مرئيًّا بصفة ملموس، فيقول مثلًا عن السماء المغطاة بسحب رماديّة بيضاء إن لونها كان في نعومة اللؤلؤ، واللون لا يعبر عنه في اللغة التقليدية بالنعومة، ولكننا مع ذلك نحس بقوة التعبير ونجاحه من الناحية النفسية، إذ نراه ينقل إلى نفوسنا إحساس الشاعر الحقيقي ووقع ما رأى في نفسه.

وهذا اتجاه له أصوله في حقائق اللغة ووظائفها، بل وفي اللغة التقليدية ذاتها، حتى لنرى شاعرًا عريقًا كالأستاذ علي الجارم يقع متأثرًا بهذا الاتجاه أو مسوقًا بشعوره الغلاب علي مثل هذه العبارات فيقول:

أسوانُ، تعرفُهُ إذا اختلطَ الدُّجى بالنبرةِ السوداءِ من أنَّاتِه

فالنبرة صوت، والتقليد لم يجر بوصف الأصوات بالألوان لاختلاف الحاسة، ومع ذلك يصف الجارم تلك النبرة بأنها سوداء فيكسب تعبيره قوة شاعرية نافذة ناجحة في إحداث العدوى، ونقل الحالة النفسية من الشاعر إلى القارئ أو السامع (1) "."

(1) د. محمد مندور: المرجع السابق، ص 12 ، 13 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت