وفي النموذج الثاني يصف فيها الأماني التي هي مشاعر وأحاسيس بصفة اللدانة، وفي بيت آخر في القصيدة ذاتها يصف كلاًّ من"الشعر"و"اللحن"بأنه ريان، وكلاهما من مدركات حاسة السمع أمَّا الري فهو من مدركات حاسة الذوق أو الرؤية، وهذا التراسل بالإضافة إلى ما يحققه من رحابة وغنى في الدلالة نتيجة لتفاعل الحواس وتآزرها فإنه يحقق لونًا من التجسيد للمعاني والخواطر والأحاسيس التجريدية التي يدور حولها التراسل.
وفي النموذج الثالث يجعل الطهر مدركًا بالحواس لا بالذهن، حيث يسبح الناس جميعًا فيه، ويزيد الصورة تركيبًا وجمالًا حين يجعل هذا الطهر من صفات ضوء الضحى الذي هو بدوره أحد تجليات الحب، وهكذا تتعانق الحواس ووسائل الإدراك المختلفة كما تتعانق المدركات وتمتزج فتتضاعف الإيحاءات والدلالات وتتضاعف المتعة الروحية والإحساس بالجمال المكثف المتنامي اللامتناهي.
أما النموذج الأخير فتتراسل فيه حاستا السمع والبصر، حيث يصف النبرة التي هي من مدركات حاسة السمع بالسواد وهو لون مدركات حاسة البصر، وذلك بعد أن ربط النبرة بالأسى وبالأنين.
وقد اعْتَرَفَ للجارم بتجليه وسبقه في هذا المجال حتى بعض من هاجمه بعنف غير مبرر، مثل المرحوم الدكتور محمد مندور الذي هاجم الجارم هجومًا قاسيًا في الحلقة الأولى من كتابه"الشعر المصري بعد شوقي" (1) ولكنه اعترف له على الرغم من ذلك بسبقه إلى توظيف بعض أدوات التصوير الشعري الحديثة وبراعته في ذلك التوظيف.
يقول الدكتور مندور بعد حديثه عن المذهب الرمزي، ونظرية العلاقات التي عبر عنها بودلير الأب الشرعي لهذا المذهب في فرنسا في بيت شعر يقول فيه:
(1) انظر د. محمد مندور: الشعر المصري بعد شوقي، الحلقة الأولى. دار نهضة مصر د.ت، ص32ـ 46، وانظر رد د. أحمد على هجومه في كتاب"الجارم في ضمير العصر"ص 482 وما بعدها.