الصفحة 68 من 94

فهذه القوافي التي تسيل من فرط لطفها ورقتها، والقوافي ـ سواء أريد بها معناها الحقيقي أم أريد بها الشعر عمومًا ـ مما يدرك بحاسة السمع، ولكن الشاعر يدخلها في إطار وسائل إدراك أخرى مما يثري معناها ويضفي عليه سحرًا خاصًّا.

وتوظيف هذه الأساليب غير قليل في شعر الجارم مما يشهد على حسن إفادته من اتصاله بالآداب والثقافات الغربية إبان إقامته في إنجلترا، ولنقرأ معًا هذه النماذج السريعة التي تقفنا على مدى تمكن الجارم من هذه الأساليب ومدى شيوعها في شعره؛ يقول مثلًا متحدثًا عن الشباب وتلاشيه في قصيدة"ذكرى وتاريخ":

وحواهُ الماضي الخِضَمُّ، وأبقى ... ذكرياتٍ تطفو على شُطْآنِِهِ

ويقول في قصيدة"خلود"معبرًا عن أساه على انفضاض مجالس الصداقة والود برحيل حافظ وشوقي وما كان يوشيها من أمنيات رضية:

وانطوى مجلسُ الصّحابِ بمن فيـ ... ـهِ وما فيهِ من أمان لدان

ويقول في قصيدة"الشريد".

مَتَى أرى الحبَّ كضوءِ الضُّحى ... كلُّ امرئ يسبحُ في طهره

ويقول في رثاء صديقه"أبي الفتح الفقي"من قصيدة"دمعة على صديق".

أسوانُ، تعرفُهُ إذا اختلَطَ الدُّجَى ... بالنبرةِ السوداءِ في أنَّاتِهِ

فنرى وسائل التصوير الشعري تتنوع في هذه النماذج؛ ففي النموذج الأول يجعل الذكريات ـ التي هي خواطر تجريدية تدرك بالذهن ـ كيانًا مرئيًّا محسوسًا يدرك بحاستي الرؤية واللمس، كما جعل الماضي ـ الذي هو بدوره معنًى تجريديٌّ ـ بحرًا خضمًّا يبتلع الشباب بكل ما فيه ولا يبقي سوى الذكريات التي تطفو على شطآنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت