الصفحة 67 من 94

إن التشخيص هنا ليس تشخيصًا سريعًا مركزًا كذلك الذي طالعناه في تصوير الشاعر لسخرية الدهر، وإنما هو تشخيص مركب يستدرج المتلقي إلى متابعة المعنى الذي يصوره الجارم على أنه كائن حي شموس وينسى أو يكاد أن الشاعر يتحدث عن معنى تجريدي لا وجود له إلا في الأذهان والخواطر، ويمضي في الشوط التشخيصي إلى مداه فيصور استسلام المعنى لشوقي مستخدمًا الأسلوب نفسه، حيث يجعل هذا المعنى يأتي إلى شوقي صاغرًا"يمشي مشية المقيّد بين هول وذلة واستكانة".

أما وسائل التصوير الجديدة التي شاعت في شعرنا الحديث نتيجة لتأثره بتيارات التجديد في الشعر الغربي ـ خاصة المذهب الرمزي ـ من مثل تراسل الحواس والمدركات بمعنى أن تتبادل الحواس ووسائل الإدراك مدركاتها فنسمع بأعيننا أو نرى بآذاننا أو نصف المرئيات بما توصف المشمومات .... إلخ، فإننا نسجل للجارم سبقه في هذا المجال قبل أن تشيع هذه الوسائل التصويرية في القصيدة العربية المعاصرة؛ يقول في رثاء الشاعر إسماعيل صبري:

أين ذاكَ الشِّعرُ الذي كنتَ تُزجيـ ... ـهِ فَيَسْرِي في الأرضِ عَرْضًا وطولاَ

قد سَمِعْنَاهُ في المزاهِر لحنًا ... وسَمِعْناهُ في الحَمَامِ هَدِيلا

وشَمَمْنَاهُ في الكمائِمِ زَهْرًا ... وشرِبناهُ في الكؤوسِ شَمُولا

فنجده يجعل الشعر ـ الذي يسمع ويفهم ـ يشم، ويشرب، فيدخله في إطار حاستين، لا يدخل الشعر في إطار مدركاتهما، وهما الشم والذوق، وهو بذلك يضفي على معنى الشعر رحابة وسحرًا لا تخوم لهما، حيث يجعل عددًا من الحواس ووسائل الإدراك تتآزر في إدراك دلالته، تثري كل وسيلة وكل حاسة أخواتها بما تضيفه على حصيلة إدراكها مما حصلته هي، وهكذا تتفاعل المدركات وتتكاثر ويزداد المعنى المدرك رحابة وتفردًا.

ومن هذا القبيل أيضًا قوله من القصيدة ذاتها:

وقوافٍ سالتْ من اللُّطْفِ حَتَّى ... لَحَسِبْنَا المجتَثَّ مِنها طَوِيلاَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت