وأحيانًا تكون الصورة التشخيصية عند الجارم على قدر من الامتداد والتركيب يزيد المعاني تشخيصًا وينفخ فيها من روح الفن ما يجعلها ملء الحياة وجودًا وحيوية ونشاطًا. ولنتأمل هذه الصورة التشخيصية التي تتفجر حياة في تصويره لقدرة شوقي على ترويض المعاني الشموس وتطويعها والسيطرة عليها، في قصيدته في رثاء شوقي:
كم يَتيمٍ من المعاني غَريبٍ ... مَسَحَتْ كَفُّهُ عَلَيْهِ فَصَانَهْ
وَشَمُوسٍ رَنَا إِليهِ فألقَى ... رَأْسَهُ خَاضِعًا وَأَعْطَى عَنَانَهْ
وَنَفُورٍ أزْرَى بِصَيَّادِهِ الطَّبِّ ... وَأَعْيَا قِسِِيَّهُ وسِنَانَهْ
نَظْرَةٌ تَلْتقي بِهِ يَنْهَبُ الوا ... دي، وَأُخْرَى تَرَاهُ يَطْوِي رِعانَهْ
تَسْبِقُ السَّهْمَ عَيْنُهُ، فَتَراهُ ... يَتَلوّى تلوِّيَ الخيزُرَانَهْ
ثُمَّ يَخْفَى، فَلا تَرَاهُ عُيُونٌ ... ثم يَبْدو، فَلا تَشُكَّ عِيَانَهْ
أَجْهَدَ الفارِسَ المُلِحَّ، وَأفْنَى ... نَبْلَهُ حَولَهُ، وَأَضْنَى حِصَانَهْ
وَهْوَ يَعْدُو، لا الرَّأْسُ مَالَ مِنْ الْـ ... أَيْنِ، ولا قَلْبُهُ شَكَا خَفَقَانَهْ
مَدَّ شَوْقي إِلَيهِ نَظْرَةَ سِحْرٍ ... عَوَّقَتْ دُونَ شَوْطِهِ جَرَيَانَهْ
فَأَتَى مِشْيَةَ المُقَيَّدِ يَسْعَى ... بَيْنَ هَولٍ وَذِلَّةٍ وَاسْتِكَانَهْ
لقد صوَّر الشاعر هذا المعنى النافر الشرود الذي أعيا كل مطارديه ومحاولي تطويعه ـ على الرغم من مهارتهم ـ وافتنّ أَيما افتنان في تصوير شماسه حتى جعل هذا المعنى التجريدي واقعًا حيًّا يملأ الحياة حيوية وفتوة وحركة أجهدت مطارديه وأيأستهم من إدراكه، ولكن شوقي استطاع بنظرة سحر أن يكبله، وأن يعوق جريانه دون شوطه، فأتى إليه خاضعًا ذليلًا يلقي بزمامه إليه.