وفي كل الأحوال فإن الجارم لم يكثر من استخدام الصور البديعية في شعره، إذا ما استثنينا"الطباق"و"المقابلة"، وكان في معظم الأحيان ينجح في توظيفها توظيفًا فنيًّا بارعًا.
فإذا ما تركنا تلك الوسائل التقليدية المألوفة في تشكيل الصورة إلى وسائل التشكيل الجديد التي شاعت في ديوان الشعر العربي المعاصر نتيجة لتطوير بعض آليات تشكيل الصورة التقليدية الموروثة من ناحية أو للتأثر بوسائل بناء الصورة في القصيدة الغربية من ناحية أخرى، فإننا نجد أن الجارم ـ على محافظته التي لا يستطيع أحد المماراة فيها ـ كان أحد السباقين في هذا المجال حيث يهتم أولًا بتطوير الآليات التي لم يولها الشعر القديم ولا النقد القديم اهتمامًا يذكر، مثل آلية التشخيص التي تطالعنا على استحياء من بعض نماذج شعرنا القديم، والتي تتمثل في إضفاء الحياة والحركة على المعاني والأحاسيس التجريدية، وعلى مظاهر الطبيعة الجامدة وإظهار كل ذلك في صورة كائنات حية تحس وتتحرك وتتصرف كما يتصرف الأحياء، كما أن النقد القديم لم يهتم بدراسة هذه الآلية وإن كانت الدراسة البلاغية قد عرضت لبعض صورها في إطار معالجتها لما سمته"الاستعارة المكنية". والتشخيص شائع كثيرًا في ديوان الجارم، وكثيرًا ما يوظفه توظيفًا بالغ النجاح في إضفاء حيوية عارمة على معانٍ وأفكار شديدة الخفاء فيحولها إلى كائنات تضجُّ بالحياة والحيوية؛ ففي قصيدة"ذكرى وتاريخ"التي يعبر فيها عن حيرته بالنسبة للمشيب، هل يعلنه أم يكتمه، فيقول:
إِنْ كَتَمْنَاهُ قَهْقَهَ الدّهْرُ جَذْلا ... نَ ومدّ الخبيثُ طَرْفَ لِسانِهِ
فقد استطاع الشاعر في هذه الصورة التشخيصية المركزة أن يصور في ذكاء بارع سخرية الدهر من هذا الشيخ البائس الحائر ومحاولته إخفاء المشيب الذي لا يخفى، وأي تعبير أبرع في الإيحاء بكل هذه المعاني من تصوير الدهر وهو يقهقه فرحًا من حيرة الشيخ المسكين، ويخرج له لسانه ساخرًا ؟ !