الصفحة 64 من 94

أما الصور البديعية فهي بطبيعتها أضيق أفقًا من الصور البيانية، ولا تتيح للشاعر ما تتيحه الصور البيانية من إمكانات متعددة ومتنوعة للإبداع والتجديد، وإن كان هذا لا يعني بالطبع أنها لا تتيح للشاعر أي فرصة لاستغلالها استغلالًا فنيًّا بارعًا، وقد وجدنا الجارم يوظف بعض الصور البديعية توظيفًا على قدر لافت من التوفيق والمهارة، وننظر مثلًا كيف وظف المقابلة في إبراز المفارقة بين وضعين متناقضين وصولًا إلى تجلية محاسن أحدهما في مقابل مساوئ الآخر، في قوله في قصيدة"معاهدة 1936":

وصار القولُ في جهرٍ حلالا ... وكان الهمسُ في سرٍّ حراما

فغاية المقابلة هنا لا تقف عند حد تسجيل التقابل بين: القول والهمس، والجهر والسر، والحلال والحرام، وإنما يتجاوز ذلك إلى إبراز ما حققته المعاهدة من حرية واسعة لم تكن متاحة قبلها، حيث أصبح التصريح بالرأي جهرًا مباحًا، بعد أن كان الهمس به في السر محظورًا، ومثل ذلك يمكن أن يقال عن توظيفه للطباق أيضًا في قصيدة"الشباب"مبرزًا ما في المشيب من مزايا في مقابل الشباب، ومستغلاًّ رهافة حسه في إدراك إيحاء الكلمات:

كادتْ أياديهِ وَهْي بِيضٌ ... تُنْسِي حُلِيَّ الشبابِ سُودَا

فالهدف من الطباق هنا ليس مجرد إبراز المقابلة الدلالية بين"بيض"و"سود"وإنما هي تتجاوز ذلك إلى إبراز فائدة المشيب في مقابل جمال الشباب، فإذا كان للشباب حليّ فإن للمشيب أيادي تتمثل ـ كما عبر في البيت السابق على هذا البيت ـ في الحكمة التي يمنحها:

في حِكْمةِ الشَّيْبِ لي عَزَاءٌ ... وَكَمْ وَعيدٍ حَوَى وُعوُدَا

وتتجلى رهافة حسه اللغوي في توظيف الإيحاءات الدلالية المرتبطة بكلمتي"بيض"و"سود"فالأولى ترتبط بالضياء والإشراق والنصاعة على حين ترتبط الثانية بالظلام والقتامة والحزن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت