فإذا كانت نواة الصورة التشبيهية هنا هي تشبيه كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم بالأسهم فإنه عمد إلى تركيب كلٍّ من الطرفين ومَزْجِ كل منهما بالآخر في صياغة تسقط ما بين طرفي التشبيه أحدهما عن الآخر ـ حتي لو حذفت أداة التشبيه ـ ثم رفد النواة التشبيهية المتمثلة في تشبيه الكلم بالأسهم بمجموعة من الروافد الفنية التي ضاعفت من إيحاءات هذه الصورة التشبيهية البارعة؛ فلم يكتفِ أولًا بتشبيه الكلمات بالسهام وإنما جعل هذه السهام مبريّة، ثم أضاف إلى ذلك كون باريها هو الله سبحانه وتعالى، وأخيرًا جعل الكلمات هي الأصل وليس السهام ـ حيث جعل الأسهم من كلم وليس العكس ـ مما يفيد أن المعنى في الكلمات أتم وأقوى منه في السهام، وهكذا استطاع الشاعر بهذا البناء المركب لهذه الصورة التشبيهية البارعة أن يشحنها بدلالات وإيحاءات بالغة الغنى والرحابة.
ومن النماذج البارعة لمثل هذه الصورة المركبة تلك الصورة التي يصف فيها الرعيل الأول من دار العلوم بعد رحيل أعلامه في قصيدة"دمعة على صديق".
حيران يعثرُ بالأعِنَّةِ مثلَمَا ... يتعثَّرُ التَمْتَامُ في تاءاتِهِ
فكل طرف من طرفي الصورة هو في ذاته صورة مركبة ـ ليس بالمفهوم البلاغي لطرفي التمثيل، وإنما بالمفهوم الفني النقدي لبناء الصورة الشعرية ووظيفتها ـ فالحيران الذي يتعثر بالأعنة صورة بارعة، والتمتام الذي يتعثر بالتاءات صورة أشد براعة وروعة وتشكيل صورة واحدة من هاتين الصورتين البديعتين يجعلها على قدر لافت من التفرد والجمال الفني.