أَبْدَعَ المُهْلِكَاتِ ثُمَّ توارَى ... خَلَْفَهَا يَمْلأُ الوَرَىِ تَهْدِيدَا
مَادَتِ الرَّاسِياتُ ذُعْرًا وَخَفَّتْ ... مِنْ أفانينِ كَيْدِهِ أَنْ تَمِيدَا
وقُلُوبُ النُّجومِ تَرْجُفُ أَنْ يَجْـ ... ـتازَ يَومًا إلى مَدَاهَا الحُدُودَا
لقد تحقق كل ما حذر منه الشاعر وتخيله حيث اجتاز العلم الحدود إلى مدى النجوم محاولًا اكتشاف أسرارها وإخضاعها لهيمنته، ولكن هل استطاع من خلال ذلك كله أن يحقق للإنسانية سعادتها ورفاهيتها؟! لا شك أن العلم حقق للإنسان كثيرًا من الرفاهية والترف المادي، ولكنه في الوقت ذاته أصبح وسيلة من وسائل التدمير التي تمكن الدول الكبرى من السيطرة على مقدرات الدول الصغرى واستقلالها، لقد تحقق ما حدسه الجارم على نحو يذكرنا بقول المتنبي عن سيف الدولة:
ذكي تظنّيه طليعة عينه ... يرى قلبه في يومِهِ ما تَرى غدا
فإذا ما تركنا الرؤية الشعرية في ديوان الجارم بمكوناتها الدلالية المختلفة بعد تلك الإطالة العجلى إلى الجانب الأكثر أهمية بالنسبة لنا، وهو الجانب الخاص بوسائل التشكيل الفنية التي وظفها الشاعر لتجسيد هذه الرؤية، فسوف نجد أن الوسيلة الأولى التي اعتمد عليها الجارم كما هو الشأن لدى كل شاعر هي الصورة الشعرية، وسوف نجد أيضًا أن أكثر أنواع الصور الشعرية شيوعًا في ديوان الشاعر هي الصور البلاغية التقليدية من تشبيه واستعارة وكناية وصور بديعية أخرى كالجناس والطباق وغيرهما.
ولكن الجارم كان يحاول دائمًا أن يضفي على هذه الصور من ذاته ليخرج بها عن تقليديتها ونمطيتها، فيطور في تشكيلها، أو في موادها، أو في وظيفتها، ولتنظر مثلًا في تلك الصورة التي أوردناها فيما سبق من قصيدته في ذكرى حافظ وشوقي، والتي يصور فيها قدرة حافظ على اختيار الألفاظ الجميلة بتاجر الجواهر الذي يبسط أمامه صَحْفة الدر ليختار منها:
لَفْظُهُ في يديهِ يختارُ مِنْهُ ... صَحْفةَ الدُّرِّ في يَدَي دِهْقَانِ