الصفحة 60 من 94

... إذا دَمِيَتْ من كَفِّ بغدادَ إصبعُ

ولو صُدِعَتْ في سَفْحِ لُبْنانَ صخرةٌ ... لدَكَّ ذُرا الأهرامِ هذا التصدُّعُ

ولو بَرَدَى أنّت لخطبٍ مِياهُهُ ... لسالتْ بوادي النيلِ للنيلِ أَدْمُعُ

... وكان إنشاء الجامعة العربية من أهم الأحداث التي مرت بالوطن العربي في وقتها، ولم يفق هذا الحدث في عمق تأثيره في نفوس شعراء الأمة إلا وقوع نكبة فلسطين، ولقد هز هذا الحدث الجارمَ هزّا عنيفًَا ولم يخذله نفاذ بصيرته في استقراء ما ينتظر الأقصى من أخطار، والتحذير من الآثار المدمرة لهذه الأخطار على العرب ووحدتهم:

"نَفْسي فداءٌ لأُولَى القِبلتينِ غَدَتْ"

... نَهْبًا يُزاحمُ فيه الذِّئبُ تِنِّينا""

"قلبُ العروبةِ إنْ تَطْعَنْهُ زِعْنِفَةٌ ... كُنَّا لها ولأشقاها طواعينا"

"إن لم تصونوا فلسطِينًا وجبهتَها ... ضاعَتْ عُروبتُنا وانفضَّ نادينا"

أما اتساع أفق رؤيته لتحتضن هموم الإنسانية كلها فله تجلياته الكثيرة في ديوانه، حسبنا أن نقف منها أمام أحد النماذج الذي يعكس بوضوح ـ إلى جانب انشغال الشاعر بالهموم الإنسانية العامة ـ إحدى السمتين اللتين أشرنا إليهما منذ قليل واللتين تميزان رؤية الجارم الشعرية، ونعني بهذه السمة قدرته على النفاذ من أحداث الحاضر إلى قراءة نتائجها في المستقبل، ثم تكر الأيام مؤكدة صدق حدسه ونفاذ بصيرته، وأعني بهذا النموذج قصيدته"يوم السلام"التي كتبها غداة وضعت الحرب الكبرى الثانية أوزارها معبرًا فيها عن أساه لما أصاب الإنسانية من دمار، ومحذرًا في الوقت ذاته مما قد ينتهي إليه العلم إذا اعتز بإمكانياته فيتحول إلى قوة مدمرة لا حدود لقدرتها على التدمير بدل أن يكون وسيلة من وسائل تحقيق السعادة والرفاهية للبشرية:

قُتِلَ العِلمُ، كَيْفَ دَبّرَ للفَتْـ ... ـكِ عَتَادًا وللدَّمارِ جُنُودَا

فَهْوَ كالخَمْرِ تَنْشُرُ الشَّرَّ والإثـ ... ـمَ وإنْ كَانَ أصلُهَا عُنْقُودَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت